العدالة الاجتماعية في السويد وإمكانية تطبيقها في الخليج العربي

مفاهيم مثل العدالة والمساواة الاجتماعية صعبة التعريف. "والعدل أساس الملك" حكمة قديمة نرددها عند الحديث عن العدالة والمساواة في تطبيق القوانين الوضعية والسماوية.
وصعوبة تعريف مفهوم مثل العدالة الاجتماعية يعني أن تطبيق المفهوم أمر مختلف أيضا. المجتمعات البشرية لا تختلف في تفسيراتها للعدالة فقط، بل تختلف في أسلوب وطريقة وأحكام تطبيقها أيضا.
خذ مثلا بعض العقوبات التي تطبق في بلاد الحرمين لتحقيق العدالة. هذه العقوبات يستند مشرعوها إلى تفسيرهم لأحكام وردت في النص السماوي (القرآن الكريم) ويرون فيها تحقيقا للعدالة السماوية. تلك العقوبات والأحكام يرفضها مجتمع إسلامي آخر لأنه يفسر ذات النص السماوي بطريقة أخرى.
إذًا نحن أمام ظاهرة اجتماعية وإنسانية ودينية تحتم علينا إثارة أسئلة محددة. أقول إثارة أسئلة وليس إصدار أحكام تدين أو تنتقص من أي من التفاسير للنص السماوي. وإثارة الأسئلة معناه الدخول في نقاش وحوار. وقلنا سابقا إن كتاب المسلمين معجزة أيضا في فن الحوار والمخاطبة والجدل، حيث نقرأ سورا كاملة هي بمثابة حوار ونقاش وأسئلة يتلوها منزل الوحي على متلقيه.
وما يدهشني، لا بل يحزنني كثيرا، أن المجتمعات الإسلامية - وحسب إدراكي المتواضع - تتشبث كثيرا بالنص وحرفيته كما ورد وأتى ضمن الجملة، لا بل العبارة الواحدة، وليس ضمن السياق والمحيط الذي وردت فيه تلك الجملة أو العبارة. أي نص يؤخذ خارج سياقه يصير حمالا للتفسير البشري. والتفسير البشري هو الذي يمنح معاني مختلفة، لا بل متناقضة لكيفية تطبيق النص، أي تطبيق العدالة. وهذا شأن كل النصوص، ولا سيما النصوص السماوية.
المؤسسة الدينية سلطة، شأنها شأن أي سلطة أخرى، ولكن سلطتها لا تنبع من العساكر والجند والسلاح، بل من احتكار التفسير ضمن سياق ومحيط يلائم أهدافها وتوجهاتها كسلطة. فمثلا، ومن وجهة نظري المتواضعة، أرى أن السلطة الدينية في معظم المجتمعات الإسلامية لا تكترث لحوارية وجدلية النص القرآني ضمن سياقه العام.
وكقارئ ومستمع للنص القرآني وبشكل يومي تقريبا أرى أن المفسرين قديما وحديثا - وحسب قراءتي المحدودة - نحّوا حوارية وجدلية النص القرآني جانبا في معظم العصور، ولا سيما في عصرنا هذا. يتحدث المفسر وكأنه يملك الحقيقة برمتها ويصدر أحكامه المستندة إلى عبارات وجمل خارج سياقها ومحيطها وبيئتها. بمعنى آخر يفرض وجهة نظره وقراءته للنص على الآخرين.
واللوم لا يقع على المفسر فقط، بل على المتلقي أيضا لأنه وضع مصيره كإنسان يناضل لتحقيق العدالة السماوية في هذه الأرض في يد بشر آخر مثله، الذي يضع دائما مصالحه ومصالح سلطته قبل مصالح الآخرين. ولهذا غاب التفسير الحواري والجدلي للنص القرآني، وحل محله التفسير الحرفي الذي كان ولا يزال يستند إلى العبارة والجملة خارج سياقها الاجتماعي.
وأول مجتمع عصري تحسس لأهمية الحوار والنقاش والجدل لتنمية القدرات البشرية كان دولة السويد. وأول مجتمع عصري منح الناس حق النقاش والجدل وإثارة الأسئلة حول أي تفسير أو نص سماوي أو غيره كان السويد. واحد من أبرز العوامل التي تؤدي إلى تحقيق العدالة والمساواة في السويد يكمن في حق الفرد في الدخول في نقاش وجدل وحوار حول كل المسائل ذات العلاقة بالمجتمع. وأعتقد أن لهذا الحق دور كبير في تحقيق العدالة.
توصلت السويد إلى إحقاق العدل عن طريق النقاش والحوار والجدل وإثارة الأسئلة بعد أكثر من 1400 سنة من ورودها في النص القرآني، ومنحها كحق سماوي لكل أتباعه. فلماذا تأخر العرب والمسلمون كل هذه المدة في تطبيق هذا المفهوم لتحقيق العدالة الاجتماعية؟!
وأنا أنظر إلى بلد الحرمين عن بعد آملا أن يمنحني قرائي الكرام هذا الحق كي أناقش أمرا مهما بالنسبة إليهم. وهذا النقاش يمنحني الحق، ضمن سياق النص السماوي، أن أثير أسئلة محددة وأن أتلقى جوابا عنها. النقاش يتعلق بحقوق المرأة، ولا سيما الجدل الحامي حول حقها في قيادة السيارة أم لا.
سأكتب عن هذا الموضوع بإسهاب ولكن سأكتفي هنا بإثارة بعض الأسئلة علني ألقى جوابا عنها: كيف سمح المفسر لنفسه أن يقع في هذا التناقض المبين، حيث يسمح للمرأة السعودية بأن يكون لها سائق أجنبي يقود سيارتها دون رقيب في رحلاتها القصيرة والطويلة، ولا يسمح لها بأن تقود سيارتها بنفسها، ومن دون هذا الشخص الغريب؟ لماذا حلل المفسر للمرأة أن يقود سيارتها أجنبي ولا يسمح لها بقيادة سيارتها بنفسها؟ أليس باستطاعة الذي حلل للمرأة السعودية أن يقودها غريب أن يحلل لها قيادة سيارتها بمفردها؟
وإلى اللقاء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي