الوكالة الدولية للطاقة.. العصر الذهبي للغاز الطبيعي

الطلب العالمي على مصادر الطاقة الأولية من المتوقع أن ينمو بنسبة 40 في المائة على مدى العقدين المقبلين، من المتوقع أن يلعب الغاز الطبيعي دورا مهما في تلبية جانب مهم من هذا الطلب المتزايد على الطاقة. في هذا الجانب أصدرت أخيرا وكالة الطاقة الدولية IEA تقريرا خاصا عن توقعات الطاقة العالمية بعنوان ''هل نحن ندخل العصر الذهبي للغاز؟''، ويرتبط التقرير تحديدا بالاستخدامات الحالية والمستقبلية للغاز الطبيعي.
وفقا لسيناريو وكالة الطاقة الدولية الجديد، يمكن أن يصبح الغاز الطبيعي ثاني أكبر مصدر للطاقة في العالم بحلول عام 2030، حيث إن الطلب العالمي على الغاز من المتوقع أن ينمو بنسبة 60 في المائة بحلول عام 2035.
السيناريو الجديد الذي أطلق عليه ''العصر الذهبي للغاز'' يفترض سياسة قوية يقودها نمو الطلب على الغاز في الصين، تباطؤ نمو الطاقة النووية، زيادة إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية، وأسعار للغاز أقل مما كان متوقعا في السابق. هذه العوامل من شأنها أن تجعل الطلب العالمي على الغاز أعلى بنحو 600 مليار متر مكعب في عام 2035، ما أشار إليه ''سيناريو السياسات الجديدة'' لتوقعات الطاقة العالمية في العام الماضي مما يرفع حصة الغاز الطبيعي ضمن مزيج الطاقة العالمي إلى نحو 25 في المائة، أي بزيادة أربع نقاط مئوية، متجاوزا الفحم من حيث الطلب العالمي على الطاقة الأولية بحلول عام 2030 ويضيق الفجوة بينه وبين الطلب العالمي على النفط، الذي من المتوقع أن ينمو ببطء أكثر.
يتوقع التقرير أن يأتي نحو 80 في المائة من النمو من الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية non- OECD، قطاع توليد الطاقة الكهربائية سيبقى مهيمنا على نمو الطلب على الغاز. الصين ستلعب دورا كبيرا في تعزيز نمو الطلب على الغاز، الطلب على الغاز في الصين مقارب حاليا إلى الطلب في ألمانيا، لكن سيوازي الطلب الإجمالي للاتحاد الأوروبي بحلول عام 2035. الطلب على الغاز في الشرق الأوسط سيتضاعف في حين سيزداد الطلب على الغاز في الهند بمقدار أربعة أضعاف خلال الفترة نفسها.
لكن هذا السيناريو يتطلب دعما من قبل الحكومات في استخدام الغاز، خاصة في مجال النقل والمواصلات، حيث افترض السيناريو أن عدد المركبات العاملة بالغاز ستصل إلى نحو 70 مليون مركبة بحلول عام 2030 من نحو عشرة ملايين مركبة في عام 2008. حتى مع وجود استخدام مزدوج على نطاق واسع للبنية التحتية للتزود بالوقود، مركبات الغاز الطبيعي لن تتمكن من شق طريقها بسهولة إلا بوجود دعم قوي ومؤثر من جانب الحكومات.
إن استراتيجية خطة تنمية الطاقة في الصين للأعوام 2011 - 2015، تعكس تحولا في السياسة يهدف إلى إعطاء دور أكبر للغاز الطبيعي في مزيج الطاقة في الصين. الخطة الصينية الخمسية الـ 12 لتطوير قطاع صناعة الطاقة تركز على التنظيم الهيكلي لقطاع الطاقة، تحسين كفاءة استخدام الطاقة وخفض الانبعاثات وبذل مزيد من الجهد في تطوير الطاقات النظيفة، هذا ينطوي على زيادة نسبة الغاز في مزيج الطاقة إلى 8.3 في المائة بحلول عام 2015 مقارنة بـ 5.3 في المائة في الخطة السابقة. في هذا الجانب تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يصل استهلاك الصين من الغاز إلى 247 مليار متر مكعب بحلول عام 2015 وإلى 634 مليار متر مكعب في عام 2035 من 85 مليار متر مكعب في عام 2008.
لكن ستستمر الصين في استيراد أكثر من نصف احتياجاتها من الغاز الطبيعي بحلول عام 2035، على الرغم من أنها من المتوقع أن تصبح واحدة من أكبر منتجي الغاز في العالم.
في هذا الجانب يشير تقرير وكالة الطاقة الدولية إلى أن تجارة الغاز في العالم ستنمو أكثر من الضعف، وإن الزيادة في الطلب على الغاز بمقدار 620 مليار متر مكعب سيتم تزويدها بصورة متساوية تقريبا عبر خطوط أنابيب الغاز وعن طريق شحنات الغاز الطبيعي المسال.
حسب السيناريو الجديد لوكالة الطلقة الدولية، فإن الإنتاج السنوي العالمي من الغاز الطبيعي من المتوقع أن يزداد بمعدل 1.8 تريليون متر مكعب بحلول عام 2035، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الإنتاج الحالي من الغاز الروسي. وزيادة إمدادات الغاز من المتوقع أن تخفض توقعات أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 20 في المائة أو بنحو 1.5 إلى 2.0 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية مقارنة بالتوقعات السابقة لوكالة الطاقة الدولية ضمن سيناريو السياسات الجديدة. إن معدل النمو الإجمالي في إمدادات الغاز من المتوقع أن تأتي بصورة رئيسة من أمريكا الشمالية، الصين، وروسيا، في حين أن الإنتاج الأوروبي من المتوقع أن يستمر في الانخفاض.
إنتاج الغاز من مصادر الغاز الطبيعي غير التقليدية، مثل طبقات الرمال المتراصة أو المحكمة Tight Sands، طبقات السجيل الغازي والميثان من طبقات الفحم الحجري Coal Bed Methane-CDM، من المتوقع أن يشكل أكثر من 40 في المائة من النمو في الإمدادات، ونحو 24 في المائة من الإنتاج الإجمالي للغاز بحلول عام 2035. وإنتاج الغاز من مصادر الغاز الطبيعي غير التقليدية من المتوقع أن يرتفع عالميا، حيث من المتوقع أن تكون الصين منتجا كبيرا للغاز بحلول عام 2035 من مصادر الغاز الطبيعي غير التقليدية.
من المتوقع أن ترتفع الطاقات الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال إلى 450 مليار متر مكعب في عام 2020 و540 مليار متر مكعب في عام 2030 في إطار سيناريو الغاز، من 270 مليار متر مكعب في عام 2008.
إن احتياطيات الغاز العالمية الوفيرة يمكنها بسهولة توفير الإمدادات اللازمة لمواكبة النمو في الطلب العالمي على الغاز في ظل سيناريو وكالة الطاقة الدولية الجديد، لكنه سيتطلب استثمارات تراكمية في البنية التحتية لتوريد الغاز تقدر بنحو ثمانية تريليونات دولار، أي بزيادة تقدر بنحو 12 في المائة مقارنة بـ ''سيناريو السياسات الجديدة'' لتوقعات الطاقة العالمية لعام 2010.
هذه الزيادة في الطلب على الغاز ستغير نوع وحجم البنية التحتية اللازمة لتوفير إمدادات الطاقة، لذلك من المتوقع أن يتم تعويض جزء من الزيادة المطلوبة في الاستثمارات عن طريق تقليص الاستثمار في البنية التحتية الأساسية لأنواع الوقود الأخرى.
في الآونة الأخيرة شهدت أسواق الغاز ارتفاعا سريعا في الطاقات الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال وفي إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية، ما أدى إلى حدوث تخمة في إمدادات الغاز، لكن أسواق الغاز العالمية من المتوقع أن تتخلص من هذه التخمة في إمدادات الغاز بحلول عام 2015 حسب السيناريو الجديد، أي قبل خمس سنوات من الفترة الزمنية المحددة في ''سيناريو السياسات الجديدة'' لتوقعات الطاقة العالمية لعام 2010 لتحقيق التوازن بين العرض والطلب، لذلك من المتوقع ارتفاع أسعار الغاز.
الفضل في الاستهلاك العالي للغاز وإعادة التوازن لأسواق الغاز يعود جزء كبير منه إلى التباطؤ في الطلب على الطاقة النووية في اليابان عقب حادثة المفاعل فوكوشيما في آذار (مارس) 2011. إن المخاوف المحيطة بالشلل الذي أصاب المفاعلات التي ضربها الزلزال في فوكوشيما قد تعكر النهضة النووية التي شهدها العالم بعد كارثة تشرنوبيل 1986، عليه فإن التوقعات السابقة للنهضة النووية للفترة 2011 - 2030 من المتوقع الآن أن تتأخر، وفي بعض البلدان من المحتمل أن تلغى بالكامل. لذلك تقديرات النمو السابقة في مجال الطاقة النووية هي الآن تعتبر متفائلة، في إطار سيناريو العصر الذهبي للغاز، تم خفض الطاقات النووية الجديدة في عام 2035 بنسبة 35000 ميجاوات مقارنة بـ ''سيناريو السياسات الجديدة'' لتوقعات الطاقة العالمية لعام 2010. إن الشكوك التي نشأت من النقاش النووي ستكون مفيدة لصناعة الغاز الطبيعي، حيث إن التباطؤ في القطاع النووي من المتوقع أن يسهم في زيادة الطلب على الغاز بنحو 13 في المائة مقارنة بـ ''سيناريو السياسات الجديدة'' لتوقعات الطاقة العالمية لعام 2010. لكن على الرغم من أن الغاز سيسهم في استبدال عدد كبير من محطات توليد الطاقة الكهربائية التي تعمل بالفحم على مدى العقود المقبلة، إلا أن انبعاث غازات الاحتباس الحراري لا تزال من المتوقع أن تصل إلى 650 جزءا في المليون في عام 2035، فقط أقل قليلا من سيناريو العام الماضي ''السياسات جديدة''.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي