الاتحاد الأوروبي.. من الوحدة إلى التفكيك!

يمر الاقتصاد الدولي بمرحلة مضطربة بين الوحدة والتفكيك، فالاتحاد الأوروبي الذي كان إلى وقت قريب مثلاً أعلى للتوحد.. يتعرض في هذه الأيام ـــ من داخله ـــ لدعوات قوية نحو التفكيك والعودة إلى الكيانات الإقليمية الصغيرة.
ووسط دعوات التفكيك والعودة إلى الكيانات الإقليمية.. غابت وخبت الدعوة إلى قيام الأسواق الكبيرة، وهذه منظمة التجارة العالمية التي كانت تدعو إلى العولمة لم يعد لها صوت ملعلع ومجلجل كما كان في التسعينيات، حينما تزامن ميلادها مع ميلاد نافتا وآسيان والسوق العربية المشتركة والسوق الخليجية المشتركة، وغير ذلك من المشاريع الاقتصادية العالمية والإقليمية التي لم تعد مطروحة بقوة في هذه الأيام!
ومنذ اندلاع الأزمة المالية العالمية التي انفجرت في عام 2008 والعالم يراجع حسابات العولمة وقيام الأسواق المفتوحة!
إن الأزمة المالية التي ضربت اقتصاديات أربع دول في الاتحاد الأوروبي هي اليونان وإسبانيا والبرتغال وفنلندا حركت قوى اقتصادية كبرى داخل الاتحاد الأوروبي تطالب بتجميد الاستمرار في استكمال منظومة الاتحاد الأوروبي، بل إن الخلاف على الاتحاد طال دولاً من الدول المتأزمة ودولاً من الدول التي لم تصبها الأزمة المالية، فألمانيا تُحمّل حكومة اليونان مسؤولية الأزمة وتطالبها بتحمل مسؤولياتها لحل الأزمة، بينما الحكومة اليونانية تُنحى باللائمة على انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وتقول إن الأزمة المالية التي تتعرض لها الآن هي الثمن الذي تدفعه بسبب انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، ولذلك فإن بعض القوى في اليونان تطالب بالانسحاب من الوحدة النقدية الأوربية والعودة إلى عملتها الوطنية الدراخما.
إن منطقتين من أهم مناطق إنجازات الاتحاد الأوروبي وهما منطقة اليورو ومنطقة السفر دون تأشيرة.. تتعرضان في هذه الأيام لانتقادات واسعة في كل أوروبا، وأمام سيل الانتقادات العارمة للوحدة النقدية وحرية انتقال العمالة الأوروبية، فإن مسؤولين أوروبيين لا يستبعدون قيام بعض الدول الأوروبية ـــ من طرف واحد ـــ بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي، أو على الأقل تجميد تنفيذ مستحقات الوحدة الأوروبية حتى التوصل إلى قرارات نهائية وقطعية.
وفي الأسبوع الماضي، كان مفوض اليونان في الاتحاد الأوروبي أول مسؤول يوناني في الاتحاد الأوروبي ُيلمح إلى إمكانية أن تعود اليونان إلى عملتها الوطنية الدراخما، ومن ناحيتها فإن الحكومة الفرنسية أعادت أفراداً من الشرطة الفرنسية إلى داخل الحدود الفرنسية للتحقق من حركة المرور البرية، كما أن ثلة من مسؤولي الجمارك الدانمركيين عادوا إلى الحدود الوطنية لدولتهم، أمّا الحكومة البلجيكية فقد أعلنت أنها بصدد إعادة النظر في قواعد منطقة شينجن مع أوروبا.
هذا التراجع المفاجئ في بعض دول أوروبا يدل دلالة قوية على أن رياح السياسة في أوروبا تتحرك باتجاه التفكيك وليس باتجاه التضميد وإعادة اللحمة إلى الاتحاد الأوروبي، كما أن الناخبين في دول الاتحاد الأوروبي الذين قبلوا في العام الماضي ـــ على مضض ـــ تدابير التقشف وعمليات إنقاذ الاقتصاد اليوناني والبرتغالي والإسباني لم يعودوا قادرين على الاستمرار في موقفهم الداعم لعمليات الإنقاذ إلى ما لا نهاية!
ولقد سقطت حكومة البرتغال في حين حققت الأحزاب الشعبية المناهضة للاتحاد الأوروبي مكاسب كبيرة في فنلندا وهولندا واليونان، كما أن الشارع في برشلونة شهد تظاهرة طلابية ضد الاتحاد، كذلك فإن التظاهر ضد الاتحاد طال أعضاء في البرلمان الألماني، وفي الأشهر الأخيرة أصبحت هولندا أكبر دولة معيقة لتوسيع الاتحاد الأوروبي.
والواضح حتى الآن أن دولاً في الاتحاد الأوروبي حققت مكاسب كبيرة من قيام الاتحاد الأوروبي، بينما دولاً أخرى حققت خسائر تعرضها في هذه الأيام لأزمات اقتصادية مدمرة، وإذا لم ينجح الاتحاد في إنقاذ الدول الخاسرة، فإنه ليس أمام هذه الدول إلاّ الانسحاب من هذا التجمع الذي لم يأتِ بفائدة تشجع على الاستمرار في الانضمام إلى الاتحاد.
وإذا كان الاتحاد الأوروبي قد نجح أخيرا في إقرار مبلغ 12 مليار يورو لدعم الاقتصاد اليوناني مقابل روشتة من التقشف التي ستعرض اليونان لأزمة سياسية خانقة قد تؤدى إلى إسقاط الحكومة مرة أخرى، فإن مشروع الاتحاد ما زال في مكمن الخطر.
وينتظر أن تشهد خريطة الانتخابات في أوروبا في السنوات القليلة المقبلة تغيرات سلبية تجاه الاتحاد الأوروبي، وإذا كان من المبكر الحديث عن احتمالات الانسحاب من الاتحاد، فإننا نقر بأن الشارع الأوروبي يعيش مرحلة هيجان ضد مشروع الاتحاد الأوروبي الذي لم يحقق الأحلام التي كان يحلم بها الشارع.
ونزعم بأن خطى التراجع عن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ستسجل نجاحاً أكبر في المستقبل، لا سيما إذا نجحت الدول التي قد تنسلخ من الاتحاد في علاج مشاكلها الاقتصادية وتعود إلى التشافي من الأزمات التي لاحقتها إبان انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.
وإذا كان من فائدة ترتجى من استعراض أزمات الاتحاد الأوروبي، فإنها تأتي في الوقت المناسب من مراحل قيام السوق العربية المشتركة والسوق الخليجية المشتركة، وعلينا واجب الاستفادة من العبر والدروس، أمّا الفائدة الأكبر فهي معرفة النتائج المتوخاة من انضمامنا إلى منظمة التجارة العالمية، وهي نتائج ستكون بالتأكيد مخيبة لكل الآمال والأحلام!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي