الانتماء الوطني أكثر من منافع اقتصادية
لا شك أن الطفرات الاقتصادية الكبيرة التي لم تكن مصحوبة بتطوير مؤسسي لآلية صنع القرار العام أدت إلى إفراز ثقافة مادية تختزل مفهوم المواطنة في المنافع الاقتصادية، فهناك كثيرون ممن يرون الوطن غنيمة اقتصادية وحسب! ويحددون علاقتهم به بما يستقطعونه من الكعكة الاقتصادية، فإن أعطوا رضوا وإن منعوا سخطوا. هذه النظرة المادية الصرفة للوطن تصل حد الظاهرة تتغلغل داخل المجتمع وعلى جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية. وسواء كان ذلك المواطن من النافذين من رجال الأعمال الأثرياء أو معدما يعيش في الظل لا حول له ولا قوة، فهم يشتركون في ذات الثقافة وهي السعي للحصول على الأكثر بأقل جهد ممكن بطريقة شرعية أو شبه شرعية أو حتى غير شرعية، فالمجال مفتوح على مصراعيه في ظل غياب عمل مؤسسي مبني على خطط واستراتيجيات ومعايير المحاسبة الاجتماعية وليس البيروقراطية. فها هو القطاع الخاص ما زال يقتات على الدعم الحكومي والمشاريع العامة بشكل مباشر أو غير مباشر، بل الأدهى والأمر أن أكثر عقود المشاريع والخدمات هي في الغالب واجهة نظامية لاستحلاب الاقتصاد الوطني، وجسر يعبر من فوقه أولئك الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف باستغلال النظام، وعلى النهج ذاته يسير الموظف الحكومي حين يتصيد الفرص للاستفادة من الميزات الوظيفية بغير وجه حق مثل المطالبة بالوقت الإضافي وغيره من البدلات، وصورة أخرى نجدها عند معظم الطلاب حين يرغبون في الحصول على أعلى الدرجات دون أن يبذلوا جهدا في الدراسة والمذاكرة. وهكذا تتكرر الصورة في كل مكان، بسبب عدم الالتزام بالنظام لتتفشى الفوضى وتصبح جزءا من الثقافة التنظيمية والمجتمعية. في هذه الثقافة يكون المبدأ التفلت من قيود النظام في الأجهزة الحكومية والمؤسسات الخاصة حتى في الأماكن العامة. الكل يريد أن يختصر الإجراءات وأن يكون فوق النظام وأن يحق له ما لا يحق لغيره. هذا القفز على النظام واغتصاب حقوق الآخرين أيا كانت مالية أو معنوية أو حتى سلبهم حقهم في الأماكن العامة مثل التصرفات غير الحضارية لبعض قائدي المركبات، سببه عدم استيعاب وفهم المقصد من النظام.
عندما يصبح الاستثناء هو القانون لا يمكن توقع أن يحترم الناس النظام، لتكون العلاقات الشخصية أساس التعامل في الأجهزة الحكومية في تقديم الخدمة وجلب المنفعة أو تطبيق العقوبة ومنعها. هكذا تكون الشفاعة أو الواسطة في كثير من الأحيان أمرا ضروريا في الحصول على الخدمة العامة أو إنهاء الإجراءات في الأجهزة الحكومية سواء كان ذلك بوجه حق أو غير ذلك. وتمارس هذه المخالفات مغلفة بالإجراءات البيروقراطية الشكلية بشكل تجريدي مفرغة من مقاصدها، وبالتالي تطبق بطريقة غير حيادية وموضوعية. فتارة تقدم الخدمة على طبق من ذهب للمعارف والأصدقاء، وتارة تكون سيفا يسلط على رقاب من لا معارف لهم. هذا الوضع يكرس مرة أخرى لثقافة أخذ الكثير بأقل القليل والالتفاف على الأنظمة ولويها للمصالح الذاتية والسعي في اختصار الإجراءات بل مخالفتها وتجاوزها.
هكذا أصبح يطغى الانتماء المادي الاقتصادي و''الشخصنة'' في جميع تعاملاتنا الرسمية وغير الرسمية على حساب العمل المؤسسي المبني على الموضوعية والحيادية والشفافية والمحاسبة، الذي يقود إلى تعزيز الانتماء السياسي والروح الوطنية والرؤية المشتركة في قراراتنا العامة والخاصة. العمل المؤسسي أمر ضروري وشرط أساس للانتقال بالمجتمع إلى مراحل أكثر نضجا اقتصاديا وسياسيا وتحريك الموارد الطبيعية والبشرية بكفاءة وفاعلية من أجل تحقيق تنمية مستدامة ومتوازنة. العمل المؤسسي هو الذي يصنع الفرق بين الدول المتقدمة وتلك الأقل تنمية، إذ إنه بمثابة خريطة الطريق للإنتاج والتطوير، حيث يعمل الجميع على بينة من الأمر ويكون الكل عارفا بدوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وما له من حقوق وما عليه من واجبات. وفي العمل المؤسسي يكون تقييم أداء الأفراد والمؤسسات مبنيا على حجم المساهمة في التنمية الوطنية وما يضاف من قيمة تجعل الوطن أكثر قوة ومنعة. هذا يتطلب استيعاب مفهوم أن المصلحة الفردية تتحقق داخل إطار المصلحة الوطنية وليس خارجها. وهكذا ينخرط الجميع في سلسلة من القرارات التنموية التي تقود في نهاية المطاف إلى اقتصاد ومجتمع قوي ومتماسك بفضل قيم الإنتاجية والعدالة والشفافية والمحاسبة وليس فقط بعلاقات مادية صرفة.
والسؤال كيف يتم التحول إلى العمل المؤسسي وهو سؤال كبير ينطوي في جوهره على إعادة تثقيف المجتمع بقيم الإنتاجية والشفافية واحترام الوقت وحرية وحقوق الآخرين والنظرة المشتركة والإيمان بالمنفعة الجماعية، وهي مهمة صعبة ولكنها ليست مستحيلة. ولذا تحتاج إلى تخصيص أحد الحوارات الوطنية لمناقشتها ورسم أبعادها للخروج بتصور لإعادة الهيكل الاقتصادي والإداري والسياسي بما يضمن التحول الثقافي في المجتمع. وقد يكون أحد أهم مرتكزات التطوير الإداري/ السياسي هو الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ومنح المجالس النيابية على المستويات الوطنية والمناطق والمحافظات صلاحيات تشريعية إدارية ومالية. فالبيروقراطيات العامة ما زالت تستأثر بسلطتي التشريع والتنفيذ. هذا الاعتماد الكبير على البيروقراطيات في صناعة القرار العام والمركزية الشديدة يمنح هذه البيروقراطيات الحصانة دون رقابة اجتماعية من تلك المجالس النيابية لتبقى دون مساءلة ومحاسبة. إن ترك البيروقراطيات تقرر السياسات العامة وتحدد أولويات الإنفاق فيه إضرار بالمصلحة العامة، إذ إنها لا تصاغ على أساس احتياجات المجتمع وإنما حسب ما يقرره البيروقراطيون، وهذا لا شك مدعاة للفساد الإداري و''شخصنة'' القرارات العامة وعدم استجابتها للاحتياجات الفعلية للمجتمع. هناك كثير من المشاريع والقروض والدعم للقطاع الخاص، ولكنها في الغالب ليست ذات مردود اقتصادي عال ودون رؤية استراتيجية بعيدة المدى ولا تتناسب مع تطلعات العموم، كما أنها لا تسهم في توزيع الدخل ليكون هناك تكتل للثروة وانحسار للطبقة الوسطى التي هي العمود الفقري للاقتصاد الوطني وصمام الأمان لتوازن المجتمع.
الوضع في الإدارة العامة وأسلوب اتخاذ القرارات الاقتصادية يحتاج إلى إعادة نظر جادة وحاسمة تضع حدا لحالة الاحتكار للقلة المستفيدة وبناء مشاريع وتقديم خدمات بكفاءة وفاعلية والمهم تستجيب لاحتياجات المواطنين ولمتطلبات التنمية الوطنية. إن تطوير عملية اتخاذ القرار العام عبر مجالس نيابية ذات استقلال مالي وإداري كفيل بتحقيق ذلك، بل تعزيز الانتماء الوطني ليكون أكثر من اقتسام الكعكة الاقتصادية أو اختطافها.