الوزير المتفائل وحُمَّى الاستقدام
لم يكن لي أن أفوِّت فرصة اللقاء بوزير العمل عندما جاءتني الدعوة لذلك ضمن فريق من كتاب الرأي في الصحف السعودية. جئت رابعًا إلى قاعة الديوان في فندق الفيصلية في الرياض، وكان مجلس الانتظار عبارة عن حلقات مستقلة من ''أطقم'' الجلوس الفاخرة، انتظرنا حتى اكتمل عقدنا، وبدأت الأحاديث المشتركة مستقلة لكل حلقة حديثها وابتساماتها، انتظرنا معاليه كثيرًا لكنه تأخر، وفي لحظات الانتظار كثيرًا ما سما فوقنا صمت عَكَّرَته رنة جوال أو صوت فنجان القهوة العربية، انتظرنا حتى بدأ الشك يسري بيننا وظننا أنه لن يحضر، لكنه خَيَّب ظننا وأتى، وبظهوره عادت حماسة اللقاء، خاصة بعدما عرفنا أنه سيديره بنفسه، وسيكون الحوار شفافًا، وكما يقال: ''ما أبطأ من جاء''. للحقيقة فقد كنت بنيت توقعاتي عن هذا اللقاء ـــ على غرار لقاءت سابقة مع غير الوزير ـــ أن الوزير لن يحضره فعلاً، وسيعتذر في نهاية الأمر، بينما ستكتفي الوزارة بمن حضر ليس له سلطة ولا قرار ـــ ليشرح برنامج نطاقات بشكل لن يتعدى ما تداولته الصحف وناقشه المتخصصون. لكنني أتيت أملاً في أن قول رأيي بصراحة: ''أنا غير مقتنع بقدرة نطاقات على حل المشكلة''، وكنت مهتمًا بأن أسمع رأي غيري من كُتَّاب الرأي.
وكي أكون صريحًا بما يكفي فقد أتيت لأتحدث لا كي أسمع. لكن أخيرًا عندما حضر الوزير وبدا لنا أنه المتحدث الرسمي اليوم ـــ وهو صاحب القرار والسلطة ـــ وسيقدم شرحًا بنفسه عن فلسفة نطاقات تغيرت استراتيجيتي تمامًا، فقررت أن أسمع.
وللحقيقة؛ فقد أدهشني الوزير بعلميته وألمعيته وشخصه، كان متحدثًا بارعًا. لم يكن هناك حتى كرسي ليجلس عليه، بل لم يكن هناك استعداد لأن يجلس، وقف وشرح طويلاً وتحدث ووضح. بدأنا بعرض مبرمج عن ''نطاقات''، ثم تولى الوزير تفسير كل صغيرة وكبيرة في البرنامج، واستمر في ذلك لما يقارب الساعة. ظهر لنا في النهاية إلى أي درجة كان الوزير متفائلاً بمشروعه ومتحمسًا له. والحق أن ''نطاقات'' كان برنامجًا مذهلاً، وفكرة عبقرية، لم أتوقع أن يكون لها كل ذلك الرصيد من الفكر الاقتصادي، لكنها كانت كذلك. صمت الوزير وتحمسنا للنقاش والمداخلات التي بدأت هادئة على عكس حماس الوزير حتى جاء سؤال مفاجئ من الدكتور عبد العزيز السماري: يا معالي الوزير لماذا أنت متفائل بنجاح برنامج نطاقات؟ ولقد وضح الدكتور السماري وجهة نظره بكل صدق وشفافية وجلاء، ثم عاد وكررها في جريدة ''الجزيرة'' في عموده (بين الكلمات) بعنوان: ''لماذا تفشل وزارة العمل في برامج التوطين؟''، كان رأيي من رأي الدكتور السماري، ''نطاقات'' جيد لكن الوزير متفائل أكثر مما يجب. وجدت فرصتي للحديث، وأشرت إلى مقال سابق كتبته هنا في ''الاقتصادية'' بعنوان: ''من ضد السعودة يا معالي الوزير؟''، وذلك في وزارة الدكتور القصيبي ـــ نسأل الله له الرحمة والغفران. انتهى اللقاء وبدأ الرحيل ولا أعرف لماذا ألحَّ على تفكيري حديث الرسول ـــ صلى الله عليه سلم ـــ عندما قال عن زيد الخير ـــ رضي الله عنه: ''أي رجل هذا؟ كم سيكون له من الشأن، لو سلم من وباء المدينة''، وكانت نبوءة.
في اللقاء الوطني السابع للحوار الفكري قبل نحو ثلاث سنوات قال وزير العمل حينذاك الدكتور غازي القصيبي: ''إن الوزارة لو استمرت في تخفيض الاستقدام لمدة ستة أشهر لما بقي في المملكة أي عاطل أو عاطلة''. ثم لتوضيح أسباب إيقاف المشروع الطموح قال ـــ كما طالعتنا بذلك الصحف ـــ إنه عندما ضيّقت الوزارة الخناق على ''مدمني الاستقدام'' أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، فما كان من الوزارة إلا أن عادت إلى سابق عهدها. لم يوضح الدكتور القصيبي من هم مدمنو الاستقدام هؤلاء ـــ ورحل عنا ـــ نسأل الله له الرحمة ـــ ولم يوضح لنا كيف استطاعوا أن يقيموا الدنيا ولم يقعدوها، وكيف رضخت الوزارة لهم وتوقف مشروعها. لم يكن الوزير القصيبي وزيرًا عاديًا، بل رجل دولة تشهد له كتبه بذلك ووزاراته وإدارته التي شغلها وأشغلها، ومع ذلك رضخ لهم. فيا له من إدمان! ويا لهم من مدمنين!. لذلك من حق الدكتور السماري أن يتشاءم وأن يصرح بذلك، خاصة أن هناك أكثر من 500 ألف عاطل وهم في تزايد والوقت ليس في صالحنا. والسؤال المهم بعدما عرفنا واقتنعنا بفكرة ''نطاقات'' هو: كيف ستواجه الوزارة مدمني الاستقدام هؤلاء إذا ضيق عليهم ''نطاقات'' نطاقاتهم؟ كيف ستواجههم إذا أقاموا الدنيا ولم يقعدوها؟ عدت إلى أفكاري مجددًا بعدما خرجت من اجتماع الوزير وأنا أتساءل: لماذا تذكرت حديث الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ لزيد الخير، ولماذا هنا بالذات؟ جاء الجواب هادئًا فلم يكن الوزير يشبه زيد الخير، بل برنامج نطاقات لو سلم من حُمَّى مدمني الاستقدام.