رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل المسألة استقدام أم هجرة اقتصادية؟

استمعت بشوق إلى معالي وزير العمل في حديثه عن نظام نطاقات، ارتأت وزارة العمل نظاما "متكاملا" مثلما نتوقع من الاستشاريين، ولكنه ــ في نظري ــ يفتقد الأرضية الاقتصادية، خاصة أن الموضوع اقتصادي بحت. حينما يذكر الوزير أن البطالة تصل إلى 40 في المائة بين الشباب وإلى 80 في المائة بين الشابات، ويذكر اقتصادي البنك الفرنسي أن المملكة تأتي بعد العراق في بطالة الشباب، فإن المسألة تعدت المستوى المحتمل وانتقلت إلى مستوى لا يُطاق. هذا التمايز جعلني أعيد التفكير في طبيعة الإشكالية من أصلها. بدأت باستقدام لسد فجوة عمالية وفنية، وانتهت بالرغبة في البقاء لتعظيم الفائدة من الدعم الحكومي غير المتوازن. باختصار، أصبحت مزيجاً معقداً من حاجة إلى عمالة وافدة وبين هجرة اقتصادية، وهذا هو سر التعقيد.
هناك ثلاثة أطراف في مسألة البطالة، الأول هو طبقة المستفيدين وهؤلاء في غالبهم سعوديون يقومون بالتستر، مستغلين حقيقة أن المملكة لا تسن نظاماً ضريبياً على السعوديين، وبالتالي هم مَن يقوم بهذا الدور عن الحكومة، والثاني هو طبقة الأعمال التجارية والتي غالباً تبالغ في ذكر المعاناة، ولكنها في غالبها جادة وناجحة وتقوم بدور محوري في الاقتصاد، ثالثاً طالبو العمل من الشباب والشابات، في هذه المعادلة الثلاثية كانت الخسارة الواضحة للطرف الثالث. التعامل مع هذه الخسارة متعدد ومتشعب ويتعدى سلطة وزارة العمل. الطامة الكبرى أننا نريد حلولا دون أي تكلفة أو ألم على أحد لتعمقنا في دولة الرفاه، واستحقاقات الاقتصاد الريعي، واستحقاقات المزج المعقد.
نظراً لتراكم العيوب الصغيرة أحياناً والتجاوزات الكبيرة أحياناً أخرى، أصبحت الإشكالية هيكلية وغير قابلة للحلول التدريجية مثل نظام نطاقات. الكثير غير مستعد لقبول حقيقة أي نظام جاد سيساهم في إغلاق ما لا يقل عن 30 - 40 في المائة من الشركات السعودية المبنية على تكلفة عمالة مسترخصة، ومنافع وخدمات حكومية غير مسعرة اقتصادياً، أو تقليص مصالح المتسترين. لعل السؤال الرئيس: هل لدينا العزم على مواجهة المستفيدين؟
ما الحل؟
قصرنا في التخطيط والتفكير الاستباقي، ولكن مواصلة الحلول التدريجية ما هي إلا عملية تخدير لن تغير من الواقع شيئا يُذكر. قدرة الناس على الإبداع في التخلص من الأنظمة الإدارية لا يُستهان بها، وكلما تعقدت الأمور الإدارية والتنظيمية كلما ارتفعت التكاليف المجتمعية وازدادت معاناة الشاب والشابة من البطالة وقدرتهما على المنافسة مع مَن تمكّن من فهم هذه الأنظمة.
الحل يبدأ في القناعة بأن الحلول التدريجية مثل نظام نطاقات لن تنجح؛ لأنه مثل مَن يبني بيتاً جميلاً على الرمل، فالأرضية الاقتصادية لم تمس، ومحاولة فصل الاستقدام عن الهجرة لم تمس، ولذلك سيكون نجاحه تعتريه الشكوك. زمن الحلول التدريجية قد يكون مناسباً قبل 15 سنة، أما اليوم فالحل يأتي من خلال إعادة نسق التكلفة في المجتمع. وهذا لن يتم إلا بدفع مبالغ مالية مقطوعة لنحو 95 في المائة من المواطنين، ثم رفع تكلفة المنافع بجعل المملكة غير جذابة للهجرة الاقتصادية والأعمال التجارية المعتمدة على استغلال موارد البلاد بطريقة غير اقتصادية، ومنها البشرية ومن ثم التخصيص الفاعل. أخيراً لا نحتاج إلى استشاريين لمعرفة حالنا الاقتصادية، وخاصة الجانب البشري منها، ولعلنا نبدأ التوطين هنا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي