رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


القبول في الجامعات بين القدرة الاستيعابية وحاجة المجتمع

لم يأخذ موضوع حيزا كبيرا من النقاش على المستوى الوطني مثل موضوع القبول في الجامعات، فهو يحدد المستقبل والمسار الوظيفي للأفراد ومستوى التنمية وإلى أي مدى سننجح في برنامج توطين الوظائف. وبنظرة فاحصة لعملية صنع القرار في الجامعات نجد أن العامل الرئيس في التوسع في القبول تحدده الموارد المالية، خاصة في تلك التخصصات الطبية والعلمية التي تتطلب تجهيزات ومختبرات وأعضاء هيئة تدريس باهظي التكلفة. لذا فالمسؤولية لا تقع على عاتق الجامعات وحسب، إنما تشاركها أجهزة حكومية أخرى، يأتي على رأسها وزارة المالية ووزارة الاقتصاد والتخطيط ووزارة الخدمة المدنية. وتكمن المشكلة في أن القرار يعتمد على الإجراءات البيروقراطية الرتيبة بعيدا عن الاحتياجات الفعلية للمجتمع، كما أن هناك حالة من التكتل الإداري في العمل الحكومي وعدم التنسيق وغياب النظرة المشتركة للقضايا الوطنية، لنجد كل قطاع يتناول موضوع القبول في الجامعات - على سبيل المثال - من زاوية ضيقة ويختزل اهتماماته في أهدافه البيروقراطية والحرص في كثير الأحيان على مصالح القطاع حتى ولو على حساب المصالح العليا للوطن. هذه هي حقيقة يلحظها المراقب المتخصص والمواطن العادي في ظل غياب استراتيجية وطنية فعلية جادة وملزمة توحد الجهود والغايات وتضع الأولويات وتبعا المخصصات اللازمة لتحقيقها. وبسبب هذه النظرة القطاعية المشتتة لم يكن مستغربا أن تتكرر مشكلة القبول في الجامعات كل عام دون أن يلوح في الأفق حلول جذرية وناجعة. الحديث هنا ليس عن الكم، لكن نوعية التخصصات، فمع الأسف ما زال هناك تركيز على المدخلات دون المخرجات وعدم الربط بينهما يؤدي إلى النتيجة نفسه، وهي تخريج أعداد كبيرة من الطلاب في تخصصات غير مطلوبة، أو بشكل أدق ليست ذات أولوية وطنية عالية. هذا على الرغم من تقدم الكثيرين وبدرجات عالية تؤهلهم للدخول في هذه التخصصات الطبية والعلمية التطبيقية المطلوبة التي نعاني كمجتمع شحا كبيرا، لكن يرد الطلاب على أعقابهم حزينين محبطين لأن الطاقة الاستيعابية محدودة. صحيح أنه ليس من المعقول تخريج أطباء ومهندسين وإداريين فقط، لكن ما زالت هناك حاجة ماسة إلى سد النقص في هذه التخصصات الحيوية. فالإحصاءات تشير إلى أن ما يقارب 15 في المائة فقط من الوظائف الطبية يشغلها مواطنون، بينما لا تتجاوز نسبة المهندسين السعوديين 30 في المائة من إجمالي العاملين في المهن الهندسية. وهذه نسب مخيفة تحتاج إلى التأمل والمراجعة ووضع خطة محكمة وملزمة بأهداف محددة في إطار زمني يضمن تغطية احتياجنا من المتخصصين في المجال الطبي والهندسي بوقت قياسي.
في واقع الأمر هناك احتياج في التخصصات الطبية والهندسية والإدارية، لكننا لم ندركه بعد، وما لا نراه أخطر مما نراه. وسعينا نحو تنمية وتطوير مجتمعنا يتطلب تطوير هذه المجالات الثلاثة وتهيئة الإمكانات المكانية والمادية والمالية لتستوعب العدد اللازم لتحقيق أهداف خطة وطنية يتم الاتفاق عليها وتلتزم بها جميع الأجهزة ذات العلاقة. فهذه قضية وطنية ويجب نقاشها عند هذا المستوى وليس تحجيمها لدرجة تصبح فيها موضوعا إداريا يتعلق بكل جامعة على حدة ليكون الحل مرضيا سياسيا، لكن ليس بالضرورة ذا كفاءة وفاعلية اقتصادية، ليستغرقنا النقاش حول الكم دون الكيف والإحصاءات الشكلية على حساب الجودة والنوع والتأثير النهائي لمخرجات التعليم العالي. هل يستطيع عمداء القبول والتسجيل في الجامعات على سبيل المثال تبرير توزيع الطلاب والطالبات على التخصصات لأسباب غير الطاقة الاستيعابية؟ ربما احتج البعض بنسب الثانوية ودرجات اختباري التحصيل والقدرات، لكن هذه تبقى مسألة نسبية خاصة في المستويات العليا من الأداء، فهناك من الطلاب والطالبات من يحصلون على درجات عالية فوق 90 في المائة، ومع ذلك لا تتاح الفرصة لهم للدخول في التخصصات الصحية! ما أحاول توضيحه والتأكيد عليه أن غياب خطة وطنية مبنية على تحليل الوضع الراهن والتنبؤ بالاحتياجات المستقبلية ومن ثم يتم على أساسها تحديد توزيع نسب القبول لكل تخصص لن نستطيع تنمية الموارد البشرية بما يتناسب مع احتياجات التنمية الوطنية.
إن حشر الطلاب في تخصصات لا يرغبون فيها وربما لا يستطيعونها سيؤدي إلى خفض تحصيلهم العلمي وتبعا أداؤهم العملي حين التخرج وسنفوت الفرصة كمجتمع في توظيف الإمكانات المالية والمادية والبشرية في تخريج طلاب وطالبات قادرين على الإسهام بفاعلية في التنمية الوطنية. يخطئ من يفكر ويتأمل بعد الفعل وليس قبله، فهذا ضد منطق الأمور، وهو ما نفعله بالضبط حين نهتم في تخريج أكبر عدد من الطلاب والطالبات ثم نفكر ماذا سنفعل بهم؟ وكيف سنوظفهم؟ وربما كان ذلك السبب وراء ارتفاع نسبة البطالة في اقتصاد قوي ماليا. ما نحتاج إليه هو الإدارة بالأهداف وليس الإدارة بالأزمات وعلى أساس من الإجراءات البيروقراطية العقيمة. وظيفة التعليم العالي هي أكثر من احتضان من هم بين سن 18 و23، والشهادة الجامعية يفترض أن تكون متطلبا مهنيا وليس للتباهي الاجتماعي، ويبدو ذلك واضحا في التخصصات النظرية أكثر منه في التخصصات المهنية التطبيقية. ففي التخصصات المهنية يكون الربط بين المعارف والمهارات وممارسة العمل وتطبيق المعايير المهنية أكثر وضوحا. وهذا ما يحفز على التوسع في القبول في هذه التخصصات، خاصة في هذه المرحلة من التنمية الوطنية، فالمهنية والحرفية أساس أي اقتصاد لأن التصنيع والخدمات المهنية هي التي تحول الأفكار إلى منتجات وخدمات تضيف قيمة للاقتصاد الوطني. وتبقى طريقة التدريس والمناهج والحرفية في ممارسة العمل أمورا ضرورية سيتم تناولها في مقال منفرد - بمشيئة الله. المهم الآن، هو وضع منظومة وطنية تشجع الشباب والشابات على الانخراط في التخصصات المهنية التطبيقية مثل التخصصات الصحية والهندسية والإدارية وتهيئ مكان العمل بقوة القانون لتطبيق المعايير المهنية ليكون هناك ربط بين ما يتعلمه الطالب والطالبة وما يتطلبه أداء العمل باحترافية عالية تضمن تقديم منتجات وخدمات عالية الجودة بعقول وأفكار وسواعد وطنية. أولى الخطوات في هذا الاتجاه هو توسيع القدرة الاستيعابية في التخصصات الأكاديمية على أساس احتياج المجتمع وليس على أساس بيروقراطي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي