رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


محكمة الحريري تلهب صيف لبنان وتعيد سورية إلى دائرة الاتهام

أعاد القرار الاتهامي للمحكمة الدولية، الخاصة باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، التوتر إلى الوضع في لبنان من جديد، ودفعه إلى واجهة الأحداث في المنطقة العربية، وذلك بعد تراجع الاهتمام به، نظراً للأحداث الثورية الكبرى التي عصفت ـــ وما زالت تعصف ــــ بالعديد من البلدان العربية. وعكست ردود أفعال القوى السياسية اللبنانية، التي أثارها صدور القرار التهامي، حالة الانقسام والبعثرة التي تسود بين اللبنانيين. والمرجح أن هو تُلهِب تداعيات وإرهاصات القرار صيف لبنان، وتعمق حالة الانقسام الداخلي الحاصل ما بين قوى الثامن والرابع عشر من آذار، وقد تعيد إنتاج كارثة جديدة في هذا البلد الذي تحوّل، منذ زمن بعيد، إلى ساحة للصراع الإقليمي والدولي.

خطورة القرار
إن صحت التسريبات والتقارير الصحفية، فإن دفعة جديدة من القرارات الاتهامية ستصدر عن لجنة التحقيق الدولية في الأيام المقبلة، وتشمل ـــ حسب مجلة ديرشبيغل الألمانية ــــ شخصيات سورية وفلسطينية ولبنانية، وهناك تقديرات بأن يوجه الاتهام إلى كل من ماهر الأسد وآصف شوكت، الأمر الذي يعيد النظام السوري إلى دائرة الاتهام من جديد، في مرحلة تشهد فيها سورية حراكًا شعبيًا احتجاجيًا متزايدًا، يُواجه بالقمع الدموي من قبل النظام الحاكم.
وتكمن خطورة القرار فيما قد ينتج عنه من تصعيد سياسي ومفاعيل، تضع القوى اللبنانية في خندق المواجهة الساخنة من جديد، وتعيد كوابيس الفتنة المذهبية والاقتتال والحرب الأهلية، حيث أمهلت المحكمة الدولية السلطات اللبنانية مدة 30 يومًا لتسليم المتهمين الأربعة الذين ينتمون إلى ''حزب الله''.
ولم يتأخر ردّ الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، في خطابه المتلفز يوم السبت الماضي، في الرد على الاتهام، فرفض التعامل مع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وكل ما يصدر عنها، معتبرًا أن تنفيذ مذكرات التوقيف في حق أربعة متهمين من حزبه لن يحصل، لا في 30 يومًا، وفقًا لما تنص عليه القواعد القانونية، و''لا في مهلة ''300 سنة''، وأحال مسؤولية جريمة اغتيال رفيق الحريري إلى إسرائيل، محاولاً تبرئة حزبه من جديد، فيما تعاملت قوى الرابع عشر من آذار مع القرار الاتهامي بوصفه خطوة في طريق تحقيق العدالة من المجموعة التي نفذت الجريمة، وطالبت بملاحقتها ومعاقبتها. ولم تقف قوى الرابع عشر من آذار عند تمسكها بالمحكمة الدولية والتزامات لبنان حيالها، بل خيّرت رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في اللقاء الذي جمعها في فندق ''البريستول'' في بيروت، بين إعلان التزامه بالقرار 1757 والرحيل، وشرعت باتخاذ خطوات لإسقاط الحكومة في جلسة مجلس النواب المخصصة لمناقشة بيانها الوزاري والاقتراع على الثقة بها.
ويمكن القول إنه فور صدور القرار الاتهامي بدأت سلسلة من حلقات التصعيد السياسي من طرف فريقي الثامن والرابع عشر من آذار، وفتحت المواجهة بينهما على أسقف مرتفعة، منذرة بازدياد حجم كرة النار في الوضع اللبناني، ومن ثم ينفتح مع قرار المحكمة الدولية فصل ساخن جديد في سياق المواجهة بين الفريقين اللبنانيين المختلفين في كل شيء تقريبًا، وباتت الحكومة اللبنانية في وضع لا تحسد عليه، خصوصًا أنها لن تواجه فريق المعارضة المتمثل في قوى الرابع عشر من آذار، بل ستواجه ''المجتمع الدولي''، الذي لا يشكك مطلقًا في عمل المحكمة وصدقية قراراتها.
ويبدو أن الحكومة اللبنانية أرادت أن تخرج بيانها الوزاري بالتزامن مع وصول القرار الاتهامي إلى لبنان، واعتبرت فيه أنها ستتابع مسار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي أنشئت ''مبدئياً'' لإحقاق الحق والعدالة ''بعيداً عن أي تسييس أو انتقام، وبما لا ينعكس سلبًا على استقرار لبنان ووحدته وسلمه الأهلي''، ومن ثم وفّرت الحكومة اللبنانية مادة خصبة فيما يتعلق بالمحكمة في الفقرة الرابعة عشرة من بيانها الوزاري، من جهة اتخاذها موقفًا يقترب من موقف ''حزب الله''، الذي يُعِدُّ المحكمة مسيسة، وهدفها ضرب وتصفية ''المقاومة''، وليست سوى ''مؤامرة أمريكية ـــ إسرائيلية''. ثم جاء خطاب حسن نصر الله ليحدد مسار أو خريطة تعامل الحكومة مع المحكمة، الأمر الذي شكّل طوق حصار فُرض عليها مع بداية تشكيلها، وجعلها في موضع شديد الحرج والدقة في الداخل اللبناني، وفي مواجهة استحقاق خطير تجاه ردود الفعل الدولية من احتمال أخذها بموقف حزب الله من المحكمة.

المتغيرات والخلاف
يتزامن التصعيد الجديد الذي يشهده الوضع في لبنان مع المتغيرات التي تشهدها المنطقة العربية، في أيامنا هذه، والتي ستلقي بظلالها على مختلف القوى واللاعبين السياسيين، خاصة مع وصول رياح الاحتجاجات المطالبة بالتغيير الديمقراطي إلى سورية، والأهم هو أنها وفرت أجواء وتطورات جديدة، ترتبط بعلاقة دول المنطقة مع الاتجاه نحو تحقيق ما يسمى ''العدالة الدولية''، الأخذ بالحضور على الصعيد العربي والدولي، خاصة بعدما أصدرت محكمة الجنايات الدولية مذكرات توقيف بحق معمر القذافي وابنه سيف الإسلام ورئيس جهاز استخباراته، وأصدرت من قبل مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر حسن البشير. وعليه؛ لم تعد المحكمة الخاصة بلبنان خاضعة للسجال اللبناني فقط، بل باتت موضع نقاش على الصعيدين، العربي والدولي، ما يضيف طابعًا جديدًا على الحدث اللبناني، يتعلق بالتغير الذي طاول المناخ المحيط به، حيث بدأ يضعف المعسكر الرافض للقضاء الدولي والمحاكم الدولية، نظراً لأن الثورات العربية أوجدت مناخًا سياسيًا وشعبيًا، يدعم الاتجاه المؤيد للجوء إلى المحاكم الجنائية الدولية، وراح الناشطون السياسيون والحقوقيون يوثقون الجرائم والانتهاكات التي ترتكبها الأجهزة الأمنية في بعض البلدان العربية، بغية محاكمة قادة الأنظمة القمعية، الذين يصدرون أوامر القمع والقتل، ومحاكمة قادة الأجهزة والعسكريين الذين يقمعون ويقتلون المحتجين السلميين، المطالبين بالحرية والكرامة والديمقراطية.
وليس جديدًا القول: إن الأوضاع في الداخل اللبناني، تتأثر بشكل كبير بالمتغيرات والتطورات العربية والإقليمية والدولية، وعليه؛ فإن التصعيد والاختلاط في الأوراق اللبنانية يمكن قراءته في ظل تلك المتغيرات والتطورات، مع عدم إنكار جملة من العوامل اللبنانية الداخلية، التي تمتلك دورها الخاص في مسرح لعبة الاصطفاف الطائفي السياسي والمصالح الفئوية والحزبية. ولا يمكن القول بأن السبب المباشر الكامن وراء تأزم الوضع السياسي في لبنان، منذ بضع سنوات خلت، يرجع إلى الخلاف حول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وقرارها الاتهامي، أو القرار الظني، حيث يرفض فريق الثامن من آذار توجهات المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري، ويعترض على كيفية وأسلوب عملها وأهدافها، ويرى أنّ إسرائيل هي التي قتلت رفيق الحريري، أو على الأقل هنالك احتمال قوي يشير إلى ذلك، وأنّ المحكمة تجاهلته تماماً، وقد سبق أن تجاهله التحقيق الدولي من قبل، الأمر الذي يشي بوجود مؤامرة دولية، تقودها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، تستهدف وجود المقاومة، الممثلة في حزب الله وحلفائه، وبالتحديد سلاح المقاومة، ولن تسمح لها قوى الممانعة والمقاومة بالمرور.
في المقابل، ترفض قوى الرابع عشر من آذار التخلي عن المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، معتبرة أنها وجدت للكشف عن الحقيقة وتحقيق العدالة، وأن لا أحد ـــ في داخل لبنان أو خارجه ـــ يمكنه إلغاء المحكمة أو إيقاف عملها. كما ترفض اتهام حزب الله أو المقاومة أو أي طائفة بالوقوف وراء اغتيال الحريري، وأبدت في أكثر من مناسبة استعدادها لمنع حدوث أي فتنة لبنانية على خلفية قرار المحكمة. وبدوره أكد رئيس المحكمة الدولية ومُدّعيها العام أن المحكمة بعيدة عن التسييس، وأنها تستند في قرارها الاتهامي على دلائل قاطعة، وليس على أقوال شهود الزور.
وخاض فريقا الثامن والرابع عشر من آذار عدة جولات الصراع السياسي الداخلي في لبنان على قاعدة الخلاف حول المحكمة الدولية، حيث قدم وزراء كتلة الثامن من آذار استقالتهم من حكومة سعد الحريري، إيذانًا ببدء القيام بسلسلة خطوات استباقية لصدور القرار الاتهامي للمحكمة. ثم عملت قوى الثامن من آذار على إسقاط حكومة سعد الحريري، ليس عن طريق الانتخابات التشريعية، بل نتيجة الضغط الذي مارسه حزب الله، وأفضى إلى تغير في الولاء السياسي لبعض قوى تحالف الرابع عشر من آذار، خاصة وليد جنبلاط الذي غيّر تحالفه وانقلب على حلفائه في تيار الرابع عشر من آذار، وكان له دور كبير في تشكيله، وفي الدعوة إلى قيام المحكمة الدولية بكشف الحقيقة ومحاكمة قتلة رفيق الحريري وسواه، ممن قضوا نتيجة الاغتيالات السياسية في لبنان. واعتبر فريق الرابع عشر من آذار عملية إسقاط الحكومة التي شكلها بمنزلة ''انقلاب'' قاده حزب الله. وبذلك فتح الباب أمام فصل جديد للصراع الداخلي اللبناني، نجم عنه تشكيل فريق الثامن من آذار حكومة جديدة برئاسة نجيب ميقاتي، وتحول فريق الرابع عشر من آذار إلى صفوف المعارضة.

ضعف الدولة
يُعِدُّ حزب الله وحلفاؤه، اليوم، أن توقيت صدور القرار الاتهامي للمحكمة الدولية يعزز قولهم بـ''تسييس المحكمة''، وأن هدفه إرباك الحكومة اللبنانية الجديدة، لذلك يرفض الحزب قرار المحكمة جملة وتفصيلاً، فيما ترى قوى الرابع عشر من آذار أن عدم التزام الحكومة اللبنانية بقرار المحكمة الدولية، يمهد الطريق أمام تحويل لبنان إلى دولة مارقة، لذلك يطالب رئيس الوزراء بتبني موقف واضح يؤكد فيه الالتزام بالمحكمة والانصياع لقراراتها.
وإن كان إعلان حسن نصر الله رفضه القرار الاتهامي، وامتناعه عن تسليم المتهمين، يؤكد قوة حزبه، فإنه يؤكد ـــ في الوقت نفسه ــــ على ضعف الدولة اللبنانية وعدم قدرتها على تجنيب لبنان مخاطر مواجهة المجتمع الدولي، ذلك أن التعامل مع القرار الاتهامي يشكل اختبارًا لهيبة الدولة اللبنانية. ولا ينفع في هذا المجال كلام بعض الساسة اللبنانيين حول عدم إمكانية تنفيذ القرار بحجة الحفاظ على الوحدة اللبنانية، كونه قد يقود لبنان إلى مرحلة جديدة من الفوضى وعدم الاستقرار.
غير أن المواطن اللبناني تعب من التجييش والتصعيد السياسي، ويتطلع إلى الاستقرار وانتظام أمور وأحوال حياته اليومية، ويهمه كثيرًا بقاء الوضع الوضع الأمني في بلده هادئًا، وهو أمر ساد في لبنان، في أيامنا هذه، بالرغم من صدور القرار الاتهامي، الذي شكل مصدر تهديد ومدعاة للقلق والترقب على مدى السنتين السابقتين، لكن هناك خشية حقيقية من أن يفضي ارتفاع منسوب التوتر والتصعيد السياسي إلى تطورات أمنية في مراحل لاحقة، خصوصاً إذا ترجمت بشكل عملي في الشارع اللبناني المحتقن أصلاً. والمأمول هو أن يحتكم الفرقاء اللبنانيون إلى لغة المصلحة الوطنية ومقتضاياتها، وأن يغلبوا مصالحة الناس والبلد على مصالحهم الضيقة ومصالح حلفائهم في المنطقة والجوار الإقليمي.
ويبقى أن الدولة اللبنانية مقبلة على الدخول في حلقة جديدة من سلسلة الأزمة السياسية والبنيوية الممتدة فيها، مع بقاء الحلّ المناسب والناجع بعيد المنال بالمنظور القريب، لذا فالأمر منوط ببقاء الوضع ينوس بين التوتر والتهدئة دون أي معطى أو مؤشر على خلاص اللبنانيين من الانقسام الحاصل بين القوى السياسية والاجتماعية في بلدهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي