مجلس التعاون الخليجي.. ومستقبله!

في الثمانينيات الميلادية وفي قمة الفرح بتأسيس مجلس التعاون الخليجي أّلفت كتاباً صدر عن دار الفكر العربي في القاهرة بعنوان ''مجلس التعاون الخليجي.. ومستقبله''، وكنت مملوءا بالتفاؤل بهذا المجلس، ولكن فوجئنا بعد غزو العراق للكويت في عام 1990 أن مجلس التعاون لم يعن بتشكيل قوة عسكرية ضاربة، ولذلك حينما وقع الغزو الغاشم توجه المجلس إلى المجتمع الدولي وطلب النجدة والمساعدة وطرد العدوان وإعادة حقوق السيادة الوطنية لدولة هي عضو في منظمة الأمم المتحدة.
يومذاك أحسست بأن مجلس التعاون الخليجي بإمكاناته العسكرية المحدودة لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، وأن المجلس لا يستطيع تطبيق إحدى أهم المواد التي تصدرت النظام الأساسي للمجلس والتي تنص على أن أي عدوان على عضو من أعضاء مجلس التعاون الستة هو عدوان على جميع الدول الأعضاء.
والواقع إن الدول الكبرى في المنظمة الدولية اهتمت كثيراً بإخراج العراق من الكويت لا لسواد عيون الكويت، ولكن لأن العراق بات يهدد مصدراً مهما من مصادر الطاقة في منطقة الخليج برمتها.
وطبعاً حضور قوات التحالف إلى منطقة الخليج لطرد الغازي العراقي من الكويت كلف المجلس، وبالذات السعودية أموالاً طائلة ما زالت المملكة تواصل حتى اليوم تسديد فواتيرها.
واليوم وبعد 20 عاماً من العدوان العراقي على الكويت.. تلوح تهديدات عسكرية إيرانية مزمجرة هدفها تقويض نظام الحكم في البحرين، ومرة ثانية فإن مجلس التعاون لم يشكل طوال 20 عاماً قوات عسكرية ضاربة تستطيع أن تقوم بواجب الدفاع والحماية الكاملة لدولة عضو من أعضاء دول مجلس التعاون، كذلك تأكد لمجلس التعاون إن المجتمع الدولي ليس على استعداد للقيام بالدفاع عن البحرين كما حدث في عام 1990 حينما بادر وأرسل قوات دولية مشتركة تحت البند السابع لتحرير الكويت وطرد قوات صدام حسين من الكويت.
المشهد الدولي اليوم تغير تماماً، وأمريكا التي قادت القوات الدولية المشتركة ضد قوات صدام في الكويت هي الآن تبحث عن مخرج للخروج من العراق وأفغانستان، كذلك هي مشغولة حتى شوشتها بما يحدث في ليبيا واليمن وسورية، وما سيحدث في الأردن والمغرب، وهي لذلك ليست على استعداد بحشر أنفها في وحل جزيرة البحرين.
إزاء ذلك تحركت قوات درع الجزيرة التي تشكلت عبر قبة مجلس التعاون الخليجي إلى دخول البحرين بدعوى حماية المواطنين ومؤسسات الحكومة من المتظاهرين الشيعة المدعومين من إيران.
وفعلاً استطاعت قوات درع الجزيرة أن تحمي استقلال البحرين من المخربين الخوارج الذين كانوا وما زالوا يريدون الإغارة على الشرعية وتغيير النظام بالقوة، ولذلك نستطيع القول إن الأزمة في البحرين لم تنته بدخول قوات درع الجزيرة، ويبدو أننا مقبلون في الأيام القليلة المقبلة على تطورات تستدعى معالجة أوضاع البحرين بحكمة شديدة، وإلاّ فإن منطقة الخليج معرضة لحالات من التوتر الخطير جداً، لأن إيران على استعداد لارتكاب الكبائر بحجة الدفاع عن الأغلبية الشيعية في البحرين في مواجهة أقلية سنية تحكم البحرين.
طبعاً هذا الوضع المؤسف الذي يواجهه مجلس التعاون الخليجي كان يجب أن تعيه دول المجلس وأن تتخذ من التدابير ما يجعل المجلس قادراً على الدفاع عن دوله، بدلاً من تكريس سياسة الاعتماد على الدول الكبرى التي لها حسابات أخرى غير حسابات دول المجلس!
إن الحجج الواهية التي تقول إن مجلس التعاون لا يستطيع بناء قوة عسكرية ضاربة لأن عدد سكانه قليلون في مواجهة 60 مليون إيراني.. هذه الحجج غير صحيحة، ويكفي أن نقول إن إسرائيل بنت قواتها الضاربة وعدد سكانها ستة ملايين نسمة، بينما عدد سكان الدول العربية يقترب من 400 مليون نسمة، كما أنه غير صحيح أن سكان دول مجلس التعاون قليلون، والحقيقة أن عدد سكان دول مجلس التعاون يربو على 40 مليون نسمة، وهم قادرون ـــ بإذن الله ـــ على بناء قوات مسلحة يدافعون بها عن أي عدوان خارجى غاشم، ويجب الإيمان بأن الوطن لا يدافع عنه إلاّ أبناء الوطن.
يجب أن نُسلّم بأن الأخطار باتت تتهدد دول مجلس التعاون من كل جانب، نعم كل دول الخليج عند مرمى الخطر، وليس أمام دول المجلس إلاّ اتخاذ قرارات جريئة وعاجلة وفورية ببناء قوات خليجية مسلحة تستطيع أن تتصدى بكفاءة لأي عدوان خارجى يتهدد أمنها واستقرارها، ويجب أن تطمئن كل دولة خليجية عضوة في مجلس التعاون بأن الخطر من داخل دول الخليج تجاه بعضها بعضا غير وارد إطلاقاً، وأن الأخطار آتية من خارج المنظومة الخليجية، ولذلك لا داعي للتردد في سرعة اتخاذ قرار بالإجماع لمباشرة تأسيس قوات خليجية مسلحة تتدجج بأحدث تكنولوجيا السلاح.
ولذلك ما يجب أن يفعله مجلس التعاون هو أن يتخذ قرارات فورية تستهدف تكوين جيش باسل وعرمرم يستطيع أن يدافع عن حرمة الوطن الخليجي بعيداً عن استجداء الدول الكبرى التي لم تعد دولاً كبرى كما كانت قبل عقدين من الزمان.
إن مستقبل مجلس التعاون الخليجي مرهون بانتفاضة حقيقية داخل المجلس هدفها تشكيل قوة عسكرية خليجية ماهرة في استخدام كل الأسلحة الحديثة للدفاع عن حدود الأوطان الخليجية، وإلاّ فإن مستقبل دول مجلس التعاون في خطر، وفي خطر حقيقي!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي