مدير المدرسة: إني مقيم ما أقام عسيب
وصلت إلى بريدي الإلكتروني رسالة مهمة من مدرس سعودي في إحدى المدارس السعودية سأعرضها بتصرف، حيث يقول إنه قبل نحو 16 عاما عندما تم تعيينه في إحدى المدارس، وكان مدير تلك المدرسة قد أمضى سنوات في منصبه هذا (ويبدو أن المدير قد درس في زمن الكتاتيب)، فقال (صاحب الرسالة) للمدير ممازحا إنه سيتم تغييره قريبا لأن هذا زمن الحاسب الآلي، فرد المدير ردا أدهش صاحبنا الجديد فقال ''إنني مقيم في الإدارة ما أقام عسيب''. وعسيب هذا هو جبل خلده شعر امرؤ القيس منذ العصر الجاهلي حتى اليوم عندما قال قبل موته ''أجارتنا إنّ المزار قريبُ وإنّي مقيم ما أقام عسيبُ''، فالقبر والجبل هناك منذ ذلك الحين حتى اليوم ولم يتغير شيء لا في الشعر ولا في الأرض المقفرة التي هم فيها. مات امرؤ القيس وأصبحت عظامه رفاتا وظل الجبل جامدا وسيظل في جمود الأرض، خاملا في خمولها ولن يتحرك حتى تتزلزل من تحته. يقول صاحب الرسالة إن السنوات مرت سراعا، وتنقلت من مدرسة إلى أخرى ومن قرية إلى مدينة، وتغير حال الزمن من الحاسب الآلي المكتبي إلى اللابتوب والإنترنت في الآي باد، حتى قابلت ذلك المدير في مناسبة قبل عدة أيام وسألته السؤال القديم نفسه ولم تكن دهشتي أقل عنها في تلك الأيام عندما جاءتني الإجابة نفسها وأنه لم يزل مقيما وسيظل ما ظل عسيب، وزاد أنه سيتقاعد مديرا للمدرسة نفسها حتى لو أصبح التدريس ''بالريموت كنترول''. سنوات تتطاول والمدير في مكانه لم يتغير، تغيرت خطط ومعها وزراء، تغيرت تكنولوجيا ومعها وسائل، وتغيرت أفكار ومعها مناهج، ولم يتغير هو، لقد كان المدير واثقا بنفسه قبل أكثر من عقد ونصف من الزمان ولم يزل واثقا بنفسه حتى اليوم. والسؤال: أين خطط الوزارة في ذلك؟ ثم كيف لمدير عاش في عصر ما قبل الإنترنت أن يفهم جيل الآي باد؟
لست أعتب على مدير وجد الإدارة متعة، والعمل فيها استرخاء، فلا خطط استراتيجية، ولا أهداف تحقيقها يتطلب جهدا. لا رقابة على الأداء، ولا توجيه نحو الفعالية. لا مجلس إدارة يحاسب ويقيّم، ولا مجلس أمناء من الآباء بطلبات ولقاءات وندوات. لا قضايا تربوية، ولا ندوات توعوية، ولا لقاءات مدرسية. لا دورات تدريبية ولا تنافسية، لا طموح، ولا تضحيات معنوية. لا تغيرات منهجية، ولا تحديات فكرية، فهو لا يقوم بأكثر مما يقوم به أحد عمال المدرسة، متابعة عدد الطلاب وإغلاق الباب بعد دخولهم وفتحه قبل الانصراف، وفي أفضل توهجه يوقع التحضير ويعلق عليه ويأمر بدق الجرس بعد أن ينظر إلى ساعته. وعندما تتعقد الأمور قليلا ليواجه مشكلة استكمال عدد المدرسين واختيار البديل للغائبين، أو مع ولي أمر قاس وابنه المتلاعب، فسياسة من لا سياسة له أسلم طريق - المساعد أولى بهذه المهام وإغلاق الباب ستر وكرامة. والسؤال التالي للوزارة إذا كانت هذه أعباء المدير، فلماذا لا يتم تدوير الإدارة بين المدرسين كل مدرس أربع سنوات فقط؟ أو على الأقل تدوير المديرين بين المدارس؟
في الجامعة التي تتطلب كثيرا من التخطيط والعمل المنظم، هناك مشكلات كثيرة للطلاب المتعثرين والنابغين، والطالب الذي يحذف فصلا ويعتذر عن آخر، وعضو هيئة التدريس الذي يشارك في مؤتمر خارج البلاد ومؤتمر في داخلها، والكلية التي تحضر لندوة علمية والقسم الذي يعمل على تجمع علمي خاص أو تطوير مناهجه لتواكب التغيرات العلمية، ومراكز الأبحاث والجمعيات العلمية ولجان الجداول ولجان الرقابة على الجودة والمبتعثين والمعيدين والحاصلين على درجات الدكتوراه الراغبين في التعيين، وفوق هذا وذاك مجلس قسم ومجلس كلية ومجلس جامعة وعدد يحصى أو لا يحصى من اللجان الفنية والعلمية الأخرى، ومع ذلك فرئيس القسم ''رئيس فقط'' لمدة سنتين وعميد الكلية ''عميد فقط'' لمدة سنتين، ثم تدور الدوائر، فمنهم من يعود كما كان يمارس دوره الطبيعي عضوا في مجموعة أعضاء هيئة التدريس وباحثا يستكمل جهوده العلمية لينضم إلى ركب الباحثين، ومنهم من يجدد له فترة أخرى، لكني لم أسمع قط عن عميد أو رئيس تطاولت به العقود، كما حصل مع مدير صاحب الرسالة. ليس هذا فحسب، بل هناك مديرون للجامعات العريقة سواء في المملكة أو في خارجها عادوا لشرف خدمة البحث العلمي واسم باحث بعد أن انتهت مدة عملهم المقررة بأربع سنوات. فلماذا يقيم مدير مدرسة ما أقام عسيب ثم يفتخر بهذا على زملائه المدرسين وكأنه ورثها كابرا عن كابر ثم يريد أن تكون الوارث منه؟
في تقييم الأداء والرقابة الفاعلة تعلمنا أنه من الأخطاء الرقابية الفادحة أن يستمر موظف على رأس عمله لا يتغير لسنوات عدة، ذلك أن الفرصة تكون متاحة له لإخفاء مشكلات العمل أو إخفاء اختلاساته أو عملياته المشبوهة أو أدائه الضعيف، ولطالما كُشفت جرائم بمجرد تغير الموظف أو إجباره على أخذ إجازته السنوية مع منح شخص آخر صلاحياته والإشراف على أعماله. وإذا كان الموظف مديرا فإن فرصته ستكون أكبر في توجيه العمل نحو مصالحه الشخصية، ويمكنه في ''بعض المؤسسات'' تجاوز نظم الرقابة الداخلية (لأنه يتحكم فيها) والتلاعب بأصول المؤسسة، وفي مثل هذه الظروف فإن تغيير المدير وتدوير الإدارة يعد إجراء ضروريا. إن النظام الذي تقوم عليه إدارة المدارس في المملكة نظام قديم هش يحتاج إلى كثير من التطوير وتفعيل دور المجتمع الذي تعمل فيه المدرسة، ولن يتم ذلك إلا بتطوير خطة لحوكمة المدارس تنبع من تفعيل دور المجتمع المحيط بها وتشكيل مجلس أمناء للمدرسة من الآباء، يرفع تقريره عن أداء المدير والمدرسين وله حقوق على المدرسة، كما يجب تدوير وظيفة المدير والمساعد بين المدرسين لإعطاء فرص لذوي الكفاءات وخلق أجيال من التربويين القادرين على فهم والتعامل مع التغيرات الاجتماعية والتقنية المحيطة التي يتأثر بها الطلاب بشكل واضح.