رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أسس التعليم والتربية في السويد ودول الخليج العربي

عشت فترة ليست بالقصيرة في الخليج العربي وزرته مرات عديدة وأتذكره ومعه العرب والمسلمون مرارا، ولا سيما في هذه الأوقات العصيبة التي تعصف بهم ودولهم وحكوماتهم.
ولأن التحدث عن أسس التعليم والتربية في السويد سيظهر جليا مكامن التخلف في هذا المضمار الحيوي في حياة الشعوب ليس في الخليج بل في العالم العربي برمته، ارتأيت أن أذكر قرائي الكرام مرة أخرى أن الهدف الذي أتوخاه هو شحذ الهمم لتغيير الأنفس.
والعرب والمسلمون، خلافا لبقية الأمم، لهم خريطة طريق للتغيير نحو الأفضل لو طبقوها لكانوا في أفضل حال ولما ضاعت فرص كثيرة كان بإمكانهم اقتناصها للدخول في مجال العلم والمعرفة والتطور والازدهار من أوسع أبوابه.
وخريطة الطريق، عكس ما يتوقع أغلبية القراء، ليست في نقل النموذج السويدي. النقل الحرفي يؤدي إلى كوارث كما هو الحال في تطبيق أساليب التربية والتعليم في دول الخليج العربي. إن لم يستوطن النقل في أي مجال كأن تكون مضاره أكثر من منافعه وهذا لا يشمل التربية والتعليم بل البناء والعمران والصناعة بشتى فروعها والثقافة في مختلف أشكالها.
والأسس الصحيحة لا تبنى دون أن يكون في داخل المرء – مواطنا كان أو حاكما – استعداد للتغير نحو الأفضل. بمعنى آخر أن الحاكم والمحكوم والحكومة والشعب يضعون مسألة التغير نحو الأفضل فوق أي مصلحة أخرى وإن اقتضت التراجع ومنح مهمة إدخال التغير لأناس ومؤسسات مشهود لها بالأمانة والكفاءة.
ومما يردده العرب والمسلمون آية عظيمة في القرآن الكريم تكتب وتنطق عند التحدث عن التغير نحو الأفضل، ألا وهي: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". وأتمنى أن يمنحني الله المجال كي أقرأ هذه الآية وما تعنيه – من وجهة نظري المتواضعة – في عالم اليوم بصورة مفصلة لقرائي الكرام.
بيد أنني أكتفي هنا بالقول إن التغير الذي يدعو إليه كتاب المسلمين السماوي يشمل استعداد المرء للتغير ومعه محيطه وبيئته وما حوله حيث تنهال ثمار التغير على المجتمع برمته وترفعه من حال التهميش والتخلف التي يعيشها إلى مصاف وعلو تحسده عليه الشعوب الأخرى.
ولنتأمل بعض الوقت التغير الهائل الذي أحدثه المسلمون الأوائل في أنفسهم وفي مجتمعهم وبيئتهم ومحيطهم في صدر الإسلام. لم يحطموا أصنامهم وتماثيلهم المصنوعة من الحجر فقط بل حطموا بناءهم الداخلي وغيروا أنفسهم بالكامل استعدادا لاستقبال الرسالة الجديدة. وهكذا لم تتغير دنياهم فقط بل غيروا من خلال أنفسهم وجه الأرض.
أسس التربية والتعليم في السويد تستند إلى إحداث تغير في نفس الإنسان في عمر مبكر جدا حالما يدخل السنة الثانية من عمره. وهذا التغير أساسه اللغة الأم والمبادئ والقيم التي تشكل دعائم المجتمع السويدي وفي مقدمتها العلمانية والديمقراطية.
ولكن لا مساومة على اللغة الأم. ولأن التعليم الإلزامي يبدأ من مرحلة الروضة – ما قبل الابتدائية – فكل طفل يبلغ من العمر أكثر من سنة وحتى بلوغه السادسة – مرحلة الابتدائية - يتلقى معارفه الأولية في الروضات المنتشرة في كل بقعة من البلد وهي بعشرات الآلاف. والإلزام هنا يشمل أولاد الأجانب. والمختصون في شؤون اللغة يعرفون كيف يتلقف الطفل اللغة في المدرسة حتى وإن لم تكن لغته في البيت.
وتولي الدولة مرحلة ما قبل الابتدائية أهمية بالغة وتنفق نحو ثلث ميزانية التعليم بفروعه كافة، البالغة نحو 40 مليار دولار في السنة على مرحلة ما قبل الابتدائية والمرحلة الابتدائية.
والروضة تسمح للوالدين بالاستمرار في العمل ولكن الأمر الأهم أن الأطفال لا تربيهم الخادمة الأجنبية، كما هو الشأن في الخليج العربي ودول عربية أخرى، بل تربيهم الدولة حسب منهاج علمي يستغرق التربويون في إعداده أكثر من استغراق أستاذ جامعي في تأليف كتاب منهجي.
وتخصص الدولة أفضل المعلمين لمرحلة الروضة ومعظمهم يحمل شهادات جامعية. وأكثر من 90 في المائة منهم معلمات. وتحتوي الروضات على أرقى المستلزمات لراحة الأطفال بين أعمار 1- 6 قد تفتقدها الكثير من البيوت السويدية. وفي هذا العمر المبكر يصبح الطفل سويديا حقا وبينهم أطفال الأجانب. ينمو الطفل وهو يحب السويد ولغتها وشعرها وموسيقاها وعاداتها وتقاليدها وقيمها وملكها، ولا سيما وريثة العرش.
ينمو الطفل وهو يعرف الكثير عن مدينته من خلال الزيارات الترفيهية وهو يعرف أسماء الكثير من النباتات والحيوانات في السويد ويعرف أين المكتبة ومحطات القطارات والباصات والمتاحف والجامعة وله إلمام بالكثير من التقاليد والقيم السويدية.
ولأهمية الروضة، قد يكون في بعض الأحيان معلمة واحدة لكل أربعة أطفال. ولم يزد عدد التلاميذ أكثر من ثمانية لكل معلم أو معلمة في المرحلة الابتدائية.
أكاد أجزم أن الطفل عند دخوله الابتدائية يعرف عن بلده السويد ولغته السويدية والتقاليد السويدية والقيم السويدية أكثر مما يعرفه طالب عمره أكثر من 18 سنة في الخليج العربي عن بلده ولغته وقيمه وتقاليده.
وللموضوع صلة
وإلى اللقاء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي