البطالة والسعودة والحلول الاقتصادية (5)
المقالات السابقة من هذه السلسة أخذتنا في رحلة مع تطورات ونظريات سوق العمل في الاقتصاد الرأسمالي، وسأستخدم تلك الرحلة كأساس نظري لحل مشكلة سوق العمل لدينا. المنافسة هي روح الرأسمالية والبطالة حتمية يجب قبول نسبة منها. ثانيا، يجب وضع حد أدنى للرواتب (على أساس الوظيفة وليس الجنسية) ليأخذ العمال نصيبهم المستحق من الثروة، وهذا ليس تنازلا أو تفضلا من رجال الأعمال. ثالثا، الاحتكار يقلل الفرص الوظيفية ولا بد من أنظمة صارمة جدا لمنعه. لكن، كما قلت في المقال السابق، هذا كله لا يكفي ما لم يتم تحرير سوق العمل من المنافسة غير الشريفة التي يمارسها العمال الأجانب. فإجبار السوق على حد أدنى للرواتب دون تحرير المنافسة سيخلق سوقا سوداء (يوقع العمال الأجانب، ''صوريا''، على عقد الحد الأدنى بينما يرضون فعليا بأقل من ذلك بكثير).
والخلل في سوق العمل بسيط الفهم، فلو أنك ذهبت - مثلا - إلى سوق لتشتري ''بضاعة''، ووجدت نوعين منها (بيضاء، وخضراء) ولنفترض أنه لا فرق بينهما لا في الوزن ولا في الطعم ولا في أي شيء آخر سوى اللون. لكن أحدهما تباع بسعر 50 ريالا (لأنها في محال مستأجرة من الوزارة، وهي غالية الثمن) والأخرى بسعر ريالين (لأنها تباع في الشارع بلا رقابة)، ثم لما اشتريت البضاعة الأرخص فاجأك موظف الوزارة غاضبا وفرض عليك غرامة وطردك من السوق لأنك ''لم تشتر البضاعة الغالية''. فبدلا من معاقبة البائع الذي أفسد المنافسة العادلة تمت معاقبة المشتري، وهذا بالضبط ما تقوم به وزارة العمل.
نسب السعودة و''نطاقات'' تعاقب المشتري وتترك البائع (العامل الأجنبي) الذي يبيع خارج السوق، وهذا مخالف لمنطق الاقتصاد تماما ولن يحل المشكلة (لأنه حل خارج النظرية والأخطر أنه لا يمكن التنبؤ بتأثيراته الاقتصادية طويلة المدى). القصة أن العمال الأجانب ينافسون السعودي بطريقة غير شريفة أبدا، فهم يرضون برواتب متدنية جدا (أخلت بالتوزيع العادل) لأن السواد الأعظم منهم يعيش حياة شظف، وحياة قاسية سواء في السكن والنقل وغيره، ويرسل الثروة إلى الخارج ليعيش (بالنسبة لمستوى المعيشة في بلده) حياة مناسبة له. وهذا انعكس على السوق، فدراسة مصلحة الإحصاءات العامة عن 25 ألف مؤسسة تعمل في المملكة أوضحت أن عدد المشتغلين بلغ أكثر من أربعة ملايين موظف (800 ألف موظف سعودي فقط أي 20 في المائة فقط والباقي أجانب) وتركز وجود الأجانب في تجارة التجزئة. في المقابل نعرف أن رواتب العمال تقل بنسبة جوهرية عن العامل السعودي (وذلك حتى على مستوى الوظائف الإدارية وذات الخبرات)، فالموطن السعودي الذي يمتلك خبرات معينة ودراسات متقدمة لا يمكنه منافسة الأجنبي الذي يحمل الخبرات نفسها، لأن الفرق في الأجر مختلف (فبينما يرضى مهندس أجنبي لديه شهادات علمية في الهندسة وخبرات متقدمة في تخصصه براتب يصل إلى ستة آلاف ريال، وهذا ملاحظ ومشاهد، فإن ذلك لا يناسب موظفا سعوديا بمستوى الخبرات نفسه، بل بالكاد تناسب متخرجا جديدا في الجامعة، وهذا الأخير ترفضه السوق لقلة الخبرة)، وبدلا من أن نسأل السعودي عن سبب ارتفاع أجره نظرا لتكاليف المعيشة الكبيرة هنا، لنسأل الأجنبي عن سبب قبوله بهذا الأجر.
وإذا ذهبت إلى الوظائف الأقل فإن المنافسة هناك أكثر شراسة، وأقل احتراما. فمن مجموع 500 ألف عامل ''لا يقرأ ولا يكتب'' هناك 350 ألف عامل أجنبي ''70 في المائة''، ومن بين مليون عامل بلا شهادات دراسية (حتى الابتدائية) 88 في المائة منهم أجانب، ومن بين 500 ألف عامل لديه الابتدائية هناك 70 في المائة أجانب، وهكذا هي النسبة في باقي الشهادات حتى الثانوية. ونحن نعرف جميعا أن رواتب هؤلاء العاملين الأجانب - في هذه الفئات - تقل عن ألف ريال ويعيشون في تجمعات خطيرة غير صحية (وقد وقفت بنفسي على مبنى شعبي قديم متهالك يعيش فيه أكثر من 20 عاملا)، وذلك فقط لإخراج العامل السعودي من السوق (منافسة غير شريفة أبدا).
والحل النهائي يكمن في تصحيح المنافسة، فمع تقنين الحد الأدنى من الرواتب ستقل الخيارات أمام رجال الأعمال ويصبح العمال (سعودي أو أجنبي) سواء في السعر ويبقى الحكم للتاجر. ولدعم العامل للسعودي يجب إجبار العامل الأجنبي على طلب رواتب مرتفعة تتناسب مع راتب العامل السعودي (وفقا للحد الأدنى للرواتب)، وذلك يتم بفرض ضرائب دخل مباشرة على عقود العمال الأجانب يدفعها العامل الأجنبي مباشرة من راتبه إلى الدولة - ولا تستقطع من المنبع أبدا. وهذا لن يضر السوق بخروج العمال الأجانب، ذلك أنه إذا زادت الرواتب بالحد الأدنى ثم تم استقطاع جزء منها بالضريبة فلا شيء جوهريا تغير على العمالة الأجنبية (فهم يعيشون على هذا المستوى الآن)، لكنه مختلف جدا عند رجال الأعمال وعند العمال السعوديين.
فضلا عن تصحيح المنافسة، ستقوم الضرائب باسترداد جزء من ثروة البلد (وهي حصيلة الضرائب) واستخدامها لدعم صندوق الموارد البشرية، بحيث يتولى تدريب المواطنين السعوديين فتنخفض تكلفة تدريب السعودي على التاجر، كما تستخدم كذلك - كما هو معمول الآن - في دعم توظيف السعودي بدفع جزء من راتبه. وبذلك تنخفض تكلفة الموظف السعودي على التاجر بشكل جوهري، ويكسب ميزة تنافسية على العمال الأجانب، فبينما ترتفع تكلفة العمال الأجانب بشكل يؤثر في أعمال التجار تنخفض رواتب السعوديين بدعم الدولة لهم ولا تخرج الثروة من البلد، بل يعاد توزيعها فقط بطريقة أكثر عدلا. كما أن هذا سيوفر دعما بموارد مستدامة لصندوق الموارد البشرية لتنفيذ برامجه.
وإضافة إلى ما سبق، فإن فرض ضريبة الدخل المباشر على العمال الأجانب سيحقق فرصا حقيقية للدولة لبناء سياسات اقتصادية سليمة للسوق، فمثلا بعض القطاعات التي تشهد ارتفاعا غير طبيعي في عدد العمال الأجانب - مثل التجزئة - يتم رفع نسبة الضريبة هناك أكثر وبذلك يكون هذا القطاع غير جاذب للعمال الأجانب، فلا يسعون (من بلادهم) إلى قبول عقود عمل غير مجدية. وإذا كان هناك قطاع يحتاج إلى عمالة أكثر فإنه يتم تخفيض نسب الضريبة لتشجيع العمال على التعاقد فيه، وهكذا يتم تنظيم السوق بطريقة سهلة ومجدية اقتصاديا. ليس هذا فحسب، بل يجب رفع تكاليف المعيشة على العامل الأجنبي حتى تتناسب مع العامل السعودي، بحيث تحدد وزارة الشؤون الاجتماعية نوعية المساكن الصالحة للسكن وإغلاق غيرها، ومنع التجمعات السكنية غير المصرح بها.
هذا الإجراءات - المتناسبة مع النظرية الاقتصادية - هي ''في نظري'' أفضل من برنامج السعودة الذي يعاقب المشتري في سوق تعج بالأجانب، كما أن برامج السعودة وبرنامج ''نطاقات'' المبني على فكرة نسب السعودة، يحتاج إلى الكثير من المراقبين أكثر من قدرة وزارة العمل على توفيره، كما أن الاعتراضات ومشكلات انتقال العمال ستكثر، بينما الحل بسيط ومتاح وله تبرير اقتصادي وأخلاقي وسياسي. لا داعي بعدها لمناقشة الدول، ولا حتى لفرض رقابة على عدد التأشيرات، دع السوق تحكم كل ذلك واجلس وراقب بهدوء.