رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الحلول العاجلة لتوظيف الخريجين.. هل ستشمل مستقبلا أئمة المساجد؟

إمامة المسجد واحدة من الوظائف التي اهتمت بها الشريعة الإسلامية، حيث وضعت لها شروطا، وأسست منهجا واضحا لمسألة المفاضلة في الكفاءة على هذا المنصب العظيم، في مؤشر على أهمية هذه الوظيفة العظيمة، التي هي إحدى وظائف النبي - صلى الله عليه وسلم - وتتابع عليها نخبة من أفاضل الصحابة والتابعين والعلماء قديما وحديثا. وجاء في مسألة المفاضلة في الإمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم: ''يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سلماً - وفي رواية - سنّاً''. والإمامة في الصلاة واحدة من أعمال القرب، وهي من فروض الكفايات، وإقامة الصلاة في المساجد ائتماما بإمام واحد في المسجد من شعائر الإسلام منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا. (لمزيد من التفصيل انظر بحث الإمامـة فـي الصّـلاة .. مفهوم وفضائل وأنواع وآداب وأحكام في ضوء الكتاب والسُّنَّة للدكتور سعيد القحطاني).
والإمامة بشكل عام منصب عظيم اهتمت به الشريعة الإسلامية في فضلها، واختيار الأفضل للقيام بها، مثلها مثل المناصب الشرعية الأخرى كالقضاء والتعليم وغيرهما. ومسألة أخذ الأجرة على القُرب بشكل عام مثل الإمامة والقضاء والتعليم وتعليم القرآن والرقية، وغيرها اختلف فيه العلماء بين مبيح ومحرم، لكن استقر رأي كثير من الأئمة المعاصرين على جوازه، فقد جاء في موقع الرئاسة العامة للإفتاء، في إحدى فتاوى اللجنة الدائمة: ''يجوز للقائمين على شؤون المسجد أخذ مرتب على ما يقومون به من شؤون المساجد، سواء في ذلك الأئمة والخطباء''، وهذا الأمر هو الذي جرى عليه العمل فيما يتعلق بالوظائف الأخرى مثل التعليم والقضاء.
ويبقى السؤال: هل يمكن أن تكون وظيفة الإمامة وظيفة رسمية، يفرغ فيها الإمام لهذه المسؤولية فقط، كأي وظيفة رسمية أخرى سواء بكادر خاص، أو بناء على المراتب الوظيفية للسلم الوظيفي العام، بحسب استحقاق المتقدم لهذه الوظيفة؟
لا شك كما سبق أن الإمامة وظيفة عظيمة، ويكفيها شرفا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تولى هذه الوظيفة، وأنه أيضا وضع منهجا للمفاضلة لهذه الوظيفة، ومسألة أخذ الأجرة على الإمامة أمر أصبح واقعا، إذ إنه يخصص حاليا مكافأة للإمام على أداء هذه المهمة، باختلاف درجة المسجد، وكون المسجد مخصصا لصلاة الجماعة فقط أو الجمعة، والمساجد اليوم أصبحت تتميز بأنه يخصص فيها غالبا منزلان للإمام والمؤذن، ليكون مقره قريبا من المسجد، وذلك تسهيلا له للانتظام والالتزام بأوقات الصلوات المفروضة. مسألة أخذ الأجرة أصبحت أمرا واقعا، لكن لماذا لا تكون هذه الوظيفة وظيفة رسمية، يفرض للإمام على أن يلتزم بهذه الوظيفة فقط بدلا من تشتته في أكثر من عمل، حيث إن واقع الحال يشهد بأن كثيرا من أئمة المساجد حاليا يشغلون وظائف رسمية، سواء في إدارات حكومية أو أهلية مثل المعلمين وموظفي الدولة في مختلف الوظائف وأساتذة الجامعات وغيرهم. والالتزام بالوظيفة يمنع الشخص قطعا من أداء الإمام صلاة الظهر مثلا في مسجده، إلا في حالة أن يخرج من عمله ويذهب إلى مسجده للالتزام بصلاة الظهر، وهذا قد يتمكن منه بعض الأئمة في القرى والمدن الصغيرة، لكنه قد يستحيل في المدن الكبرى اليوم، مع تباعد المسافات، وزحام الطرق، إلا إذا افترضنا أن المسجد قريب من مقر العمل، وهذا احتمال ضعيف.
كما طبيعة كثير من الوظائف اليوم تتطلب السفر والانتداب والعمل لفترات إضافية، والأولوية في هذه الأحوال بالنسبة للموظف ستكون الالتزام بالوظائف الرسمية على حساب إمامة المسجد، حيث يتم ترك المسجد ليؤمه أحد الموجودين حينها في المسجد. ولذلك من المهم النظر في مسألة جعل الإمامة وظيفة رسمية، وهذا قد تكون له إيجابيات كثيرة ومتعددة، منها:
أولا: الالتزام التام والتفرغ للإمامة بجميع متطلباتها، من العناية بالمسجد، وأن تكون للإمام متابعة لاحتياجات المسجد، والتواصل بشكل فاعل مع وزارة الشؤون الإسلامية، والاهتمام بتفعيل حلقات تحفيظ القرآن، بحيث تكون جزءا من مسؤوليات الإمام، إضافة إلى جانب التوعية والإرشاد والتعليم للمأمومين.
ثانيا: توظيف مجموعة من خريجي التخصصات الشرعية، الذين تم إعدادهم لمثل هذه الوظيفة في أقسام مثل الدعوة وغيرها من التخصصات الشرعية، وجعلها وظيفة رسمية سيوجد وظائف كثيرة لهؤلاء الخريجين.
ثالثا: استقطاب الكفاءات التي قد لا تتمكن من الالتزام بالإمامة مع الوظيفة الرئيسية لهم، خصوصا من حفظة كتاب الله وطلبة العلم المتخصصين.
رابعا: أنه ستكون هناك فرصة أكبر لتدريبهم ومشاركتهم في دورات وورش عمل متخصصة، ومناقشة القضايا المتخصصة في هذا الأمر، وتوجيههم بشكل فاعل للتفاعل بشكل إيجابي مع المأمومين وأفراد المجتمع، حيث إن هذه الوظيفة تحظى بثقة المجتمع، وهؤلاء الآن مفرغون وغير معذورين في عدم الالتزام بالحضور.
هذه بعض الإيجابيات، ومن المهم في هذه المرحلة وضع آلية لإشغال هذه الوظائف، حيث يكون استحداث هذه الوظائف على مراحل، بعد تحديد مهام الإمام مثل الإمامة، وحلقات تحفيظ القرآن، ومحاضرات دورية قصيرة لتوعية المجتمع، حيث يتم استحداث هذه الوظائف بشكل سنوي في المدن الكبرى، وذلك للمساجد الجديدة، وغير المشغولة بأئمة بوضعها الحالي، وتكون أيضا في المساجد التي يوجد فيها مسكن للإمام. وتحدد حينها شروط شغل هذه الوظيفة مثل حفظ القرآن بإتقان، وأن يكون متخرجا في أحد التخصصات الشرعية، وغير ذلك. ومن الممكن في بعض الأحوال استثناء مسألة الخطابة فقط في بعض المساجد ليتولاها علماء بارزون كأعضاء هيئة كبار العلماء.
الخلاصة أن موضوع الإمام أمر عظيم ويحتاج إلى مزيد من التنظيم لتفعيل دور الإمامة في المجتمع، حيث تحظى المساجد باهتمام حكومي كبير، ولعل ما صدر أخيرا من تخصيص 500 مليون ريال للمساجد يؤكد ذلك بوضوح، والمجتمع اليوم يحتاج إلى إمام متفرغ يجعل الاهتمام بالمسجد عمله الرئيس اليومي بدلا من التشتت في أكثر من عمل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي