رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إدارة العموم وليس الإدارة العامة

اللغة أساس التواصل الإنساني، ومفرداتها وسيلة التفاهم والحوار ونقل الأفكار وتطويرها، ولا يمكن تصور مجتمع إنساني دون لغة تحوي أسماء الأشياء والأفعال ومدلولاتها، وإلا كانت لغة الحوار الصمت واستخدام الإشارة في التواصل فيما بينهم تماماً مثل إنسان يزور بلداً لا يحسن لغة أهله فيلجأ إلى الإشارة لتبيان ما يريد ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ولذا يطلق على اللغة النظرة المشتركة لأفراد المجتمع أو المتعارف عليه أو باختصار هي المشترك، إذ إنها تنشأ من اتفاق شخصين أو أكثر على تسمية الأشياء والأفعال بألفاظ ومصطلحات لتعبر عن مدلول مشترك ومتفق عليه يختزل المعاني والمقاصد ويسهل عملية الاتصال فيما بينهم ويختصر وقت النقاش ويقرب وجهات النظر ويجعل التوقعات واضحة بدلاً من الإسهاب في الشرح والوصف وربما سوء الفهم. لذا فاللغة تعكس طريقة تفكيرنا وفهمنا واستيعابنا ما يدور حولنا، وتصف أسلوب تعاملنا فيما بيننا وتؤثر في تشكيل أفكارنا وأفعالنا وتفسير ما يحدث في عالمنا. وهكذا تكون اللغة إفرازا طبيعيا للاجتماع الإنساني والثقافة الخاصة بكل مجتمع، فالألفاظ تعكس الأفكار وطريقة التفكير وأسلوب الحياة. وربما فسر ذلك سبب نشأة اللهجات العامية في المجتمع الواحد حينما يصطلح مجموعة من الناس يعيشون في مكان ما على التسميات التي تعكس ثقافتهم وأفكارهم ونظرتهم في شؤونهم الحياتية.
ولا تختلف المصطلحات العلمية عن المفردات الاجتماعية من حيث الحاجة إلى الإجماع بين الباحثين والمفكرين حتى إن بدت أكثر موضوعية باستخدام خطوات البحث العلمي في التوصل إلى المعارف والأفكار. ففي جميع المدارس العلمية هناك تضارب في الآراء والتوجهات حتى في تلك التخصصات العلمية البحتة والمهنية التي يتوقع أن تسود فيها الموضوعية والحيادية لأنها تدور حول مجالات مادية صرفة وجوامد ومبادئ شبه ثابتة خاضعة للتجربة المحكمة والملاحظة المنضبطة. أما العلوم الإنسانية والاجتماعية التي محورها الاجتماع الإنساني وما يكتنفه من تفاوت في السلوكيات فيكون الاختلاف في نظرياتها واسعاً بين الباحثين، فالإنسان نتاج بيئته ولا يمكن فهم سلوكه وتصرفاته خارج سياقها، لذا لا يكون مستغربا أن ينشأ نقاش حاد بين مدرستين في البحوث الإنسانية والاجتماعية إحداهما ترى أن التجربة الإنسانية لا يمكن التعرف عليها إلا من خلال الانخراط في التجربة نفسها والتعرف على الإحساس الذي يمر به صاحب التجربة للوصول إلى حقيقة الأمر، وهناك في المقابل المدرسة الموضوعية التي لا تعترف بهذا الأسلوب كوسيلة للوصول إلى المعرفة، بل لا يمكن اعتبار المعلومة جزءا من الجسم المعرفي إلا إذ اتبع الباحث خطوات البحث العلمي وأبعد نفسه قدر الإمكان عن الظاهرة محل الدراسة لتحقيق الموضوعية والحيادية.
والإدارة العامة كتخصص هي أحد العلوم الاجتماعية التي تتفاوت فيها المفاهيم وإن اتفقت في إطارها العام من حيث إنها إدارة حكومية تسعى إلى تحقيق مصلحة العموم (المواطنين) من خلال تنفيذ السياسات العامة للدولة. لكن يبقى السؤال الأهم: ما دور الإدارة العامة وطبيعة عملها؟ والإجابة عن هذا السؤال تتعلق بدور الحكومة في المجتمع، فالإدارة العامة لا يمكن فهمها ودراستها وتقييمها إلا من خلال بحثها في إطارها المحلي السياسي والاقتصادي والاجتماعي. لكن الإشكالية تكمن في أن الإدارة العامة كحقل علمي هي نتاج الثقافة الغربية، وتعكس إلى حد كبير قيم النظام السياسي والاقتصادي في تلك المجتمعات الصناعية المتقدمة. وهذه المجتمعات ديمقراطية سياسيا ورأسمالية اقتصاديا ليكون الفرق واضحا، لكن منسجما بين آليات تحقيق المصالح الخاصة وتلك المتعلقة بتحقيق المصالح العامة، بحيث لا يكون هناك تعارض بين المصلحتين، ففي واقع الأمر أن القطاعين الخاص والعام يشتركان ولو من الناحية النظرية في تحقيق المصلحة العامة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فعندما يكون هناك محل لبيع المواد الغذائية في الحي فإنه يسهل على السكان الحصول على احتياجاتهم، وربما كان في ذلك تحقيق للمصلحة العامة من حيث أنه يلبي احتياجات الناس ويوفر وظائف ويحسن من معيشتهم ويقلل من تكلفة النقل والتلوث وغيرها من المنافع الاجتماعية حتى إن كان الدافع من وراء ذلك الربحية. إذا الفرق بين القطاع الخاص والقطاع العام يكمن في آلية صنع القرار من خلال الإجراء السياسي وطبيعة تمويل المشروعات الحكومية عبر الضريبة أو الشراء الجماعي، والمستهدفين، وهم العموم.
من هنا كانت الدعوة نحو إعادة التفكير في تسمية تخصص الإدارة العامة إلى إدارة العموم، فالأولى تعني الإدارة الشاملة سواء كان ذلك داخل المنظمات أو خارجها، وسواء كانت المنظمة خاصة أو عامة، ما يسبب لبساً كبيراً لدى معظم الناس وعدم استيعاب مفهوم إدارة العموم. أما اسم إدارة العموم فيحقق المعنى المراد في أنها خدمة جميع المواطنين دون استثناء، فالطريق العام لخدمة العموم، والحديقة العامة من أجل العموم، وهكذا في جميع الخدمات الحكومية. وربما رأى البعض تسميتها الإدارة العامة، وهي تسمية تقترب من المعنى المراد، لكنها أيضا تعطي انطباعا بأنها للعامة دون الخاصة، وهذا لا ينسجم مع عمومية الخدمة لجميع الناس بغض النظر عن مستوياتهم. إن كثيرا من المصطلحات المستجدة على المجتمع تم استيرادها عبر خبراء من الخارج دون تمحيص وتحقق من مقاصدها ومعناها الإجرائي العملي وليس القاموسي. فإما أنه تمت ترجمتها بطريقة خاطئة وإما تم نقلها من مجتمعات عربية لم تحسن اختيار المفردة المناسبة، مع العلم أن دول المغرب العربي تستخدم إدارة العموم. إن الاعتياد على المصطلح واستخدامه في الدارجة لا يمنحه الصلاحية العلمية، ولا يعني لزوم الاستمرار عليه. أهمية تعديل اسم الإدارة العامة إلى إدارة العموم تنسجم مع سياسة الإصلاح الإداري للدولة المرتبطة بتطوير مفهوم الحكومة في المجتمع ودور أجهزتها في تحقيق مبدأ خدمة العموم والسعي إلى رضاهم بدلاً من الحديث عن تحقيق المصلحة العامة، وهو مفهوم مطاط وواسع تتعدد فيه وجهات النظر ولا يمكن قياسه. الحديث هنا ليس من باب الترف اللغوي، لكن يتعلق بتصحيح المفاهيم وتسمية الأشياء بأسمائها من أجل الارتقاء بثقافتنا الإدارية والسياسية، وأن نعي أهمية تخصص إدارة العموم وأنها مفتاح التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والجسر الذي نعبر من فوقه إلى مستقبل واعد نكون فيه أكثر قوة ومنعة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي