رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


البطالة والسعودة والحلول الاقتصادية (4)

بداية، فإن هذا المقال سيقدم جزءا من الحل الذي أنظر إليه، ولعل في ذلك بعض العزاء لمن يعتب عليّ في طول السرد التاريخي. لكن من المهم قبلا أن نخلص إلى أهم النتائج مما سبق طرحه، فالمنافسة وحرية السوق هما روح الرأسمالية أولا وأخيرا، من دونهما لا يوجد اقتصاد رأسمالي أبدا. ثانيا، ونظرا لتدفق العمال، فإن الأجور تتناقص ''حتما''، والسبب (كما قال ماركس) التوزيع غير المتكافئ للدخل بسبب التوزيع غير المتكافئ للسلطة. لقد فهمنا من المقالات السابقة آن الرأسماليين كانوا يستخدمون السلطة لمنع زيادة رواتب العمال (أي زيادة حصتهم من دخل المصانع وذلك ليحتفظ الرأسمالي بنصيب الأسد من الدخل بل أكثر) كما أنهم كانوا (أي الرأسماليين) يستخدمون تلك السلطة لتعزيز الاحتكار، ما يعظم دخلهم وثرواتهم، وهذا الاحتكار - من جهة أخرى - يقلل فرص العمل المتاحة ويزيد من تنافس العمال فتقل الأجور أكثر وأكثر، وتتعاظم أرباح الرأسماليين. ثالثا، ولتجنب نقمة العمال والثورات، قرر العالم الغربي (الرأسمالي) حل مشكلة توزيع السلطة من خلال اتباع نظم ديمقراطية تسمح للعمال بتشكيل أحزاب ونقابات بحيث يجد العمال ممثلين لهم في البرلمانات التشريعية لتقرير وتشريع ما يناسب العمال ويخفف ضغط الرأسماليين ونفوذهم المطلق ويفرض توزيع عادلا للدخل.
واستطاعت الرأسمالية أن تنجو عندما جاءت الإصلاحات السياسية انعكاسا للمشكلات الاقتصادية وليس العكس. فمع بروز العمال على ساحة القرار ظهرت قوانين لحل مشكلة توزيع الدخل، فمُنع الاحتكار بصرامة، وتم تحديد الأجور وتصنيفها، وظهرت قوانين لتنظيم العمل والهجرة والحد من المنافسة غير العادلة بين العمال. ثم بدأت نقابات العمال وأحزابه بالضغط على الحكومات لتنفيذ برامج خاصة لمصلحة العمال ومنها برامج التأمينات والتقاعد وغيرها، ما زاد من حصة العمال من الدخل العام. لكن هذه الإجراءات خلقت البطالة ''وكما نَظّرَ لها ماركس''، رغم كل المحاولات اليائسة لتكذيبه! فلقد كانت النظرية الاقتصادية مبنية على استخدام الموارد كافة، خاصة العما، لتعظيم الإنتاج إلى أعلى مستوى، فتعظيم الإنتاج يعني ثروة (دخل) أعظم، وبالتالي يمكن الاستجابة لمطالب العمال دون الإخلال برفاهية الرٍأسمالي، كما أن تشغيل كل العمال يعني قدرتهم ''كمجموع'' على شراء كل الإنتاج (من أجورهم) فيبقى الاقتصاد متوازنا ومتحركا ذاتيا وديناميكيا (وهو ما كان يسمى توازن العمالة الكاملة)، لكن رغم كل الإصلاحات فإن ''دخول'' عمال جدد كان يعني - حتما - انخفاض الأجور حتى الحد الأدنى أو أقل، وبهذا لم يعد للعمال القدرة على شراء كل الإنتاج. وكنتيجة فقد بقي جزء من الإنتاج دون شراء ثم بدأ هذا الجزء يتعاظم حتى تراكم الإنتاج وظهرت بوادر الكساد، فبدأت المصانع بتقليص الإنتاج والتخلص من العمالة الزائدة (فائض العمالة)، ما فاقم مشكلة عدم قدرة العمال على الشراء، فزاد الكساد حدة، وكردة فعل فطرية أكثر منها حنكة سياسية دخلت الدول في اتفاقيات ثنائية (بين دولتين) لفتح الأسواق فيما بينها وإغلاقها في وجه دولة ثالثة، (سميت فيما بعد سياسة إفقار الجار)، وذلك حتى تصاب صناعة الطرف الثالث بالعطب بشكل يسمح لأطراف الاتفاقية بتحرير مصانعها من الكساد، لكن هذا الحل الأرعن قاد إلى الحروب العالمية. لم تنته أزمة الكساد حتى اعترف العالم الغربي بالبطالة كجزء من الحل! فلا بد لسلامة ''النظام الرأسمالي'' من وجود جزء من العمال عاطلين! ولذلك يجب ألا يتم الإنتاج على مستوى تشغيل كل العمال، بل أقل من ذلك مع بقاء تدخل الدول في دعم الحركة الاقتصادية حتى يتم شراء كامل الإنتاج من قبل العمال كافة (حتى أولئك الذين لا يعملون)، (وهو ما يسمى توازن العمالة الناقصة) لتعود النظرية الرأسمالية للتوازن وبالازدهار لشعوبها. والآن أين نحن من كل هذا الكم من المعرفة، والتجربة الاقتصادية؟
المعضلة أن هذه النظريات جاءت لمعالجة مشكلات اقتصاد إنتاجي، يعتمد المجتمع فيه لخلق الثروة على تعاون بين جهد العمال ورأس والمال والآلة، وإلى حد ما الأرض. فالمصانع هناك هي التي تنتج الثروة لذلك يأتي الخلاف في كيفية توزيع الدخل ومن يستحقه. أما لدينا في المملكة، فإن الاقتصاد ريعي يعتمد على ما تنتجه الأرض من ثروة استخراج وبيع النفط الخام. فدور العمال ورأس المال (رجال الأعمال) وحتى الآلة محدود جدا (وذلك تماما بعكس الاقتصاد الإنتاجي). عندنا تتولى الدولة توزيع الدخل من خلال منفذين رئيسيين هما التوظيف المباشر في وظائف حكومية غير إنتاجية (أي لا تسهم في خلق الثروة)، ومن خلال العقود الحكومية لمشاريع ينفذها رجال الأعمال. وعلى رجال الأعمال - بدورهم - تشغيل العمال الذين لم تستوعبهم الوظائف الحكومية ومنحهم مستحقاتهم من الثروة على شكل رواتب وأجور، والفائض المتبقي من قيمة العقود يخص رجال الأعمال، وبذلك تحقق الدولة أفضل توزيع ممكن للثروة في ظل اقتصاد ريعي.
القضية الشائكة عندنا أن رجال الأعمال ظنوا - وفق تفسير خاطئ جدا لمفهوم الملكية الفردية - أن العوائد (كل العوائد) الناتجة عن الأعمال حق مطلق لهم وليس لأحد مناقشة طريقة التوزيع. كما أن الدولة (نظرا لأن الثروة الحقيقية تَنْتُج من النفط وهي تتولى توزيعها) لم تهتم بتطوير قوانين لحل مشكلة توزيع العوائد في القطاع الخاص. لكن مع تزايد عدد السكان، خاصة في سن الشباب، لم تعد الوظائف الحكومية قادرة على الاستيعاب، لذلك بدأت مشكلة التوزيع بالتعاظم، ذلك أن رجال الأعمال (وفق قناعات خاطئة تماما تعززها تفسيرات شرعية خاطئة أيضا) يريدون الاستئثار بحصة أعظم من الدخل حتى لو كانت لا تخصهم وليست من حقهم، بل من حق العمال. فيرفضون تشغيل الموظف السعودي إلا بأجر زهيد جدا، ويستقدمون من العمال ما يحقق لهم ذلك ولو على حساب المجتمع وأخلاقه وأمنه. ونتيجة لذلك جاءت دراسة لمصلحة الإحصاءات العامة عام 1430هـ لتبين أن الإيرادات في عينة من 25 ألف مؤسسة هادفة للربح (غير النفط والغاز) بلغت أكثر من 1170 مليار ريال، يحصل العمال منها فقط على 118 مليارا (10 في المائة فقط)، وهذا الرقم يشمل جميع المزايا وليس الراتب فقط، والأمر في هذه المؤسسات أنه لم يجد السعوديون سوى 20 في المائة من فرص العمل بينما الباقي اتجه للعمال الأجانب (80 في المائة) وهذا فقط على مستوى 25 ألف مؤسسة، فكيف إذا علمنا أن هناك أكثر من 450 ألف مؤسسة تقدم إقرارات زكوية عن أعمالها التجارية لدى مصلحة الزكاة، وهي بالطبع تحقق إيرادات ومستمرة في نشاطها. فالمشكلة على هذا المستوى هي مشكلة ''توزيع وسلطة قوانين''، ولن تحل بطريقة نسب السعودة ولا نطاقات ذلك أنهما يقومان على فكرة فرض تشغيل السعودي، لكنهما لا تعطيان المواطن حقه من العوائد التي استولى عليها رجال الأعمال.
والحل هنا - كما قدمه مفكرو النظرية الرأسمالية - في فرض التوزيع العادل واستعادة العمال حقوقهم التي استولى عليها رجال الأعمال بفرض قوانين تحدد الحد الأدنى للأجور لكل توصيف وظيفي (بغض النظر عن الجنسية). وكذلك إنشاء محاكم لقضايا العمال (مستعجلة)، وإنشاء جمعية للعمال منتخبة منهم لها صفة قانونية تجيز لها الملاحقة القانونية لمن لا يلتزم بتلك بالأنظمة التي ترعى حقوق عمالهم. لكن مشكلة سوق العمل في المملكة لن تحل بكاملها بمجرد فرض التوزيع العادل، فما زال لها وجه آخر مهم جدا... يتبع

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي