خطة معالجة تزايد أعداد الخريجين والاهتمام بمهنة التعليم
كما هو معلوم أن خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - أصدر أمراً ملكياً يقضي بالموافقة على الخطة التفصيلية والجدول الزمني المتضمنة الحلول العاجلة قصيرة المدى والحلول المستقبلية لمعاجلة تزايد أعداد خريجي الجامعات. وهذه الخطة تعتبر مرحلة طبيعية لبرامج سابقة تتضمن دعم فرص التعليم من خلال إنشاء الجامعات الحكومية ودعم الجامعات الأهلية، والابتعاث لمختلف دول العالم، ومن الطبيعي أن هؤلاء الخريجين سيعودون إلى أرض الوطن، ومن المهم الاستفادة منهم بالشكل المناسب والفاعل، الذي يخدم المجتمع، ويحقق التنمية المستدامة. وهذه الخطة تبرز جانب التكامل في الخطط الوطنية، إذ إن مسألة دعم التعليم العالي من المهم أن يتلوه برنامج لتوفير فرص العمل، حيث إن المملكة اليوم تشهد نقلة نوعية على مستوى التنمية.
في الحقيقة أن مما برز في هذه الخطة مسألة الاهتمام بمدرسي المدارس الأهلية، وذلك بزيادة رواتب المعلمين والمعلمات السعوديين العاملين في المدارس الأهلية، ووضع حد أدنى للرواتب بحيث يبدأ بخمسة آلاف ريال، مضافا إليه بدل النقل 600 ريال، وذلك عن طريق مساهمة صندوق تنمية الموارد البشرية بـ 50 في المائة من الراتب لمدة خمس سنوات، ويبدأ شمولهم بنظام العمل والتأمينات الاجتماعية. ومن الملاحظ قبل صدور هذا القرار أن معلمي المدارس الأهلية من المواطنين يعانون وجود فارق كبير في المعاملة بينهم وبين مدرسي المدارس الحكومية، رغم أنهم يبذلون جهدا مقاربا أو أكثر في بعض الأحيان، ولا يقلون كفاءة عن نظرائهم في المدارس الحكومية، وقد يصل راتب أحدهم إلى ما يعادل الرسوم الدراسية لأحد طلاب تلك المدارس التي يعملون فيها.
لا شك أن مهنة التعليم مهنة سامية حظيت باهتمام حكومي كبير، ووضع المدرسين المواطنين في المدارس الأهلية قبل القرار لا يتناسب مع حجم الاهتمام الحكومي بالتعليم، ولعل هذه الخطوة تعتني بالمعلم كمعلم سواء في المدارس الحكومية أو الأهلية. كما يراعي الأمر الملكي مسألة واقع المدارس الأهلية، حيث سيتم تكفل صندوق الموارد البشرية بنصف الراتب، وذلك لأن بعض المدارس الأهلية بوضعها الحالي قد يكون من الصعب عليها أن تتكفل بالراتب بالكامل، إلى أن يتم ترتيب أوضاعها، وخمس سنوات فترة كافية لذلك. خصوصا أن عامل المنافسة من قبل غير المواطنين في هذه المهنة كبير، حيث يقبل غير المواطن براتب وامتيازات أقل مقارنة بالمواطنين.
والحقيقة أن المدارس الأهلية لها دور تعليمي كبير، مساند للمدارس الحكومية، وتحتاج إلى الدعم لما تتمتع به من مرونة قد تسهم في دعم الحركة التعليمية في المملكة، خصوصا مع وجود مجموعة من المدارس الأهلية المتميزة، التي تقدم خدمات تعليمية بمستوى وكفاءة عالية للطلاب، ولتستمر في تميزها تحتاج إلى الدعم الحكومي المباشر وغير المباشر.
لكن في الوقت نفسه هناك قضية مهمة، وقد تكون مؤثرة بشكل سلبي فيما يتعلق بكثير من الاستثمارات في القطاع الخاص ومنها المدارس الأهلية، ففي الوقت الذي تشهد فيه هذه المدارس تناميا كبيرا وإقبالا من المواطنين، انعكس على الارتفاع في أسعار رسوم المدارس بنسب كبيرة خلال الفترة الماضية، نجد أن بعض هذه المدارس تبرر ارتفاع الرسوم وانخفاض رواتب المعلمين بالارتفاع في المصروفات. ويبقى السؤال: هل هذه المدارس تعاني فعلا زيادة في التكاليف التشغيلية، ما يستدعي الزيادة في الرسوم أم أن المسألة ترتبط بالعرض والطلب، وبالتالي من الطبيعي أن تزيد الأسعار بسبب الإقبال المتزايد من الأسر لتسجيل أبنائهم في المدارس الأهلية؟
إذا كانت المسألة مرتبطة بالزيادة في التكاليف التشغيلية، فإنه من الغريب جدا أن المدارس الأهلية تشتكي بسبب ذلك رغم أنها تتقاضى رسوما من الطالب الواحد بما يعادل راتب أحد مدرسيها وقد تزيد، ويبقى التساؤل وهو: أين تذهب هذه الأموال؟ وكيف تعاني بعض المدارس الأهلية التكاليف التشغيلية؟
الحقيقة أن المسألة ترتبط بشكل مباشر بما يتعلق بكفاءة كثير من المؤسسات في القطاع الأهلي أو الخاص في إدارة الموارد، إذ إنها تلجأ بسبب ضعف هذه الكفاءة إلى المبالغة في الأسعار، وتخفيض رواتب المدرسين، لذلك ينبغي دراسة واقع المدارس والجامعات الأهلية فيما يتعلق بكفاءتها في إدارة الموارد، حتى تتمكن هذه المدارس من أن تستقطب كفاءات جيدة من الأساتذة والمعلمين، لدعم الارتقاء بمستوى التعليم. ومن جهة أخرى، نجد أن الكفاءة الجيدة في إدارة الموارد بحيث لها دور في تقديم خدمات تعليمية بكفاءة عالية، دون أن يكون هناك لجوء إلى الزيادة المبالغ فيها في الرسوم الدراسية، وتخفيض رواتب المدرسين، الذي يقلل من قدر هذه المهنة العظيمة، لذلك من المهم في هذه المرحلة الاستفادة من الدعم الحكومي بحيث يكون له أثر كبير في توفير كفاءات تعليمية جيدة، ويجعل من هذه المدارس تعيد تقييم أدائها بشكل دوري في إدارة مواردها المالية.
فالخلاصة، أن هذا القرار الملكي يأتي دعما لهذه المهنة العظيمة التي تعتبر أساسا لتحقيق التنمية المستدامة، وتوفر فرصا للمعلمين للحصول على مستوى مناسب من الدخل، يتناسب مع أهمية العمل الذي يقدمونه، كما تدعم المدارس الأهلية لاستقطاب كفاءات وطنية في التعليم الأهلي، والارتقاء به كقطاع مساند ومكمل للقطاع الحكومي.