نفقات التعليم في السويد وفي دول الخليج العربي

السويد تخصص ميزانية هائلة للتعليم وصلت في العام الماضي إلى نحو 13 في المائة من ميزانية الدولة. وإن حولنا هذه النسبة إلى أرقام معناه أن التعليم في السويد يكلف الدولة ما بين 35 و40 مليار دولار حسب سعر الصرف السائد (وليس مليونا كما ورد سهوا في مقال الأسبوع الفائت).
هذا المبلغ الخرافي ونسبته العالية من ميزانية الدولة تنفقه السويد على ثمانية ملايين نسمة، وهو عدد سكانها عدا الأجانب. التعليم في السويد له أولوية تفوق تلك التي تمنحها الدولة للدفاع مثلا، الذي لا تتجاوز نفقاته في أفضل السنين 3 في المائة من الميزانية.
لماذا هذا البون الشاسع بين تخصيصات التعليم وتخصيصات الدفاع؟ قد يقول قائل إن السويد غير مهددة وتعيش في باحة من السلام والاستقرار. هذا ليس صحيحا، ولا يجوز أن يفكر قادة شعب بهذا الشكل.
نعم، الاستقرار والسلام والهدوء تنعم بها السويد منذ عقود، ولكن قادتها يبنون جيشهم وكأن الحرب تقع غدا. وإن كان الأمر كذلك، كيف بإمكان السويد الدفاع عن نفسها بميزانية لا تزيد إلا قليلا عن اثنين في المائة كما كان الوضع في العام الفائت؟
السويد تؤمن أن التعليم المتطور المبني على أسس علمية صحيحة أفضل وسيلة للدفاع عن البلد. الشعب المسلح بالعلم والتقنية والمعرفة أفضل من شعب مسلح بأحدث الأسلحة المستوردة. الشعب المتعلم يصنع سلاحه بنفسه ويعرف كيفية استخدامه ويطوره للذود عن كيانه عند الحاجة.
الشعب السويدي شعب مسلح بالعلم والمعرفة وكما قلنا سابقا فإن الدولة ترى أن أهمية كل فرد من شعبها تأتي في مقدمة أولوياتها وتفوق مكانة حقل نفط هائل، إن كانت تملكه.
وهذا الشعب المتعلم بنى مصانع فائقة التطور تنتج كل ما يحتاج إليه من سلاح وتصدر الكثير منه إلى الخارج ولكن تحت شروط قاسية. وحلقات السلاح السويدية أكثر تطورا مما لدى أمريكا وروسيا والجيش السويدي جيش متطور كان بإمكانه - حسب رأي الخبراء – صدّ هجوم مفترض من الاتحاد السوفياتي السابق.
هذه المعادلة صعبة الهضم بالنسبة لكثير من الدول وقد يتصورها بعضهم مجرد خيال، لكنها الحقيقة. هذا بلد بنى تطوره على التعليم السليم والعقل السليم. هذا بلد بنى كيانه على معادلة مفادها العلو في التعليم وزيادة مخصصاته يقابلها علو في الدفاع مع التقليل من نفقاته.
لن أدخل في تفاصيل ما يحدث في دول الخليج العربية التي كما قلنا سابقا يفضل بعضها استقدام مدارس وجامعات أجنبية وغرسها في بلدانها والتباهي بها وتقديم تسهيلات كبيرة لها دون النظر إلى تبعات سياسة تعليمية كهذه على الجيل الجديد.
التعليم في السويد وطني من ألفه إلى يائه. ولا يمكن أن تقبل السويد لأي مؤسسة تعليمية أمريكية أو بريطانية أو غيرها أن تفتح مدرسة وتستقدم المدرسين والمناهج وتلقن باللغة الإنجليزية. إن فتحت مدرسة كهذه – وهذا أمر غير محتمل – عليها أن تدرس باللغة الوطنية وأن تطبق مناهج تعليمية وطنية.
لا أريد أن أذكر اسم أي دول عربية خليجية إلا أنني صعقت في آخر زيارة لي للخليج العربي عندما أخذني أحد المسؤولين التربويين في زيارة لمدينة تعليمية بنيت من أموال الشعب ولكن تستوطنها البعثات التعليمية الأجنبية بملاكاتها التعليمية ومناهجها ولغتها. والأنكى من هذا أنها تحصل على تسهيلات مادية كبيرة لا تحصل عليها مثيلاتها من المدارس والجامعات الوطنية.
اعتقد المسؤول أنني سأنبهر بكل هذا. وكم كانت صدمته عنيفة عندما قلت له، وبصراحتي المعهودة: ''هذا استيطان أجنبي يذكرني في بعض تفاصيله بالاستيطان الصهيوني في فلسطين. الفرق أن الأخير يأتي عنوة رغم أنف الفلسطينيين. أما هذا الاستيطان فيقدم للأجنبي على طبق من ذهب''.
وإلى اللقاء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي