رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


حرية الشتم فقط

مهم جدا أن يكون الإنسان موضوعيا، وأن تقوده هذه الموضوعية إلى ممارسة العدل مع نفسه ومع الآخرين. لكن يبدو أن الميزان يختل أحيانا، وتختلط الأوراق، فيصبح أحد الأطراف خصما وحكما في الوقت نفسه. وهذا الفعل نشهده بشكل حاد من خلال وسائل الإعلام العربية المرئية والمقروءة. هناك تطرف حاد في الانتصار للرؤى، مع حرص أكبر على إلغاء الرؤية الأخرى.
ولا يمكن أبدا فهم هذه المصادرة التي تحتل حيزا مهما في ثقافتنا. الخلاف والاختلاف سنة كونية، لكن الإشكال في عدم القدرة على التعايش مع هذا الاختلاف عربيا.
ويمكن من خلال نظرة سريعة وفاعلة إدراك هذا الوضع وقراءته بشكل واضح بمجرد تنقلك بين قنوات البث الفضائي العربية، أو تقليبك صفحات هذه الجريدة أو المجلة. دوما هناك شخص يتعامل مع القضايا باعتباره مصدر الحقيقة، وشخص آخر يرى أنه هو مصدر الحقيقة أيضا.
هنا تظهر غريزة الإقصاء والاجتثاث مع من يخالف في الرأي، وقد تشهد لكمات ولعنات وكلمات نابية يتم تسويقها باعتبار أنها تمثل حوار العرب، بينما هي تعكس حوار مجموعة من الطرشان الذين يجيدون الاستماع إلى أصواتهم فقط.
حتى من يضع نفسه في خانة الدفاع عن الحرية وعن حقوق الإنسان، يفاجئك بأنه لا يتجاوز في فهمه وممارسته حدود الكلام فقط. وفي فترة الفاصل بين فقرة وأخرى، يخلع الضيف طابع التجهم وعباءة المفكر ليتحول إلى حاك يعبر عن مكنونات نفسه بشكل أبسط ويملي طلباته على المذيع وأحيانا يلومه لأنه قسا على هذا البلد أو ذاك.
شهدنا مثل هذه المسرحية مع عزمي بشارة، وبدا أن عبثية الممارسة والسؤال عن معاني بعض العبارات التي تسربت على اليوتيوب أثناء الفاصل الإعلاني أو المسرحي إن شئتم لا يفضي إلى نتيجة سوى أن هناك بونا شاسعا بين ما تقوله للمشاهدين وما تردده بينك وبين نفسك.
ثقافة القولين، تجعل كل حديث عن الحرية وتوابعها مجرد كلام زائف، حتى يثبت عكسه. هناك أناس يتحدثون باسم الحرية لكنهم محض أفراد يمارسون التهريج والتغرير بالناس وتسويق الكذب تحت مسمى الحرية التي تم اختطافها مثلما تم اختطاف كثير من القيم المثالية.
ما يحمي مثل هذا الزيف من السقوط، إحساس المتلقي وعقله، الذي يبحث عن بريق أمل،... لهذا السبب هو يطوع الأفكار بصيغة تجعله يعتبر كل قول عن التزييف ردة فعل، لا قراءة دقيقة لواقع المشهد. لا يزال أمامنا وقت أطول، كي تتكشف حقائق كثير ممن يتم تقديمهم لنا باعتبارهم أنصارا للحرية، وهم في الحقيقة مجرد موظفين يقولون ما هو مطلوب منهم أن يقولوه... فقط.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي