رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الربيع العربي وخريفه

''الحرية ليست سوى فرصة نحو الأفضل''
ألبير كامو أديب فرنسي

مع وصول ''الربيع العربي'' إلى مصر آتياً من تونس، خرج الرئيس الأمريكي باراك أوباما ليعلن أن ''حركة الشباب في مصر ألهمتنا جميعاً''. ومع انتشار هذا ''الربيع'' في جمهوريات عربية، أراد حكامها أن تُحكَم عائلياً، واعتماد التوريث حلاً وحيداً لانتقال السلطة، حرص أوباما (ومعه أركان إدارته)، على أن يؤكد أنه ''آن الأوان لسماع أصوات الناس'' مشدداً على ''الإلهام الناجم عن احتجاجات الناس''. هذا ''الإلهام'' ألهم الرئيس الأمريكي ومعه الغرب، بأنه لا يكفي لوحده لمساعدة هذه البلدان، على تجاوز المحن التي عاشتها عقوداً من الزمن، وأن لهذا ''الربيع'' استحقاقاته ''الخريفية'' أيضاً. فالفرح في ''الربيع''، لا يلغي واجب مواجهة ''الخريف''. والخروج إلى الساحات والميادين فقط، لا يوفر فرحاً عارماً مستداماً، ولا يؤسس لنمو واجب وازدهار أوجب. ولكي تستديم الفرحة، ينبغي معالجة الاستحقاقات المصيرية، بأسرع وقت ممكن، وبأقل قدر من الفوضى التي تستتبع عادة التغييرات الدرامية. ولا يمكن أن يتم ذلك، إلا بدور رئيسي للمجتمع الدولي، ولا سيما الدول الكبرى التي فهمت متأخرة على مدى عقود طويلة من الزمن، أن رياح التغيير تكون عاصفة حتى لو أتت في الربيع.
حظيت تونس ومصر بالاهتمام العربي والدولي المطلوبين، لأن ثورتيهما شارفتا على الاستكمال، وتحول الاهتمام المعنوي خلال الثورة، إلى اهتمام اقتصادي بعدها في كلا البلدين. فكل دولة مرت أو تمر بهذه التجارب، تحتاج في الواقع إلى ثورة اقتصادية، تزيل كل الأوبئة الاقتصادية التي انتشرت في عهود الأنظمة المخلوعة، بما في ذلك الفساد التاريخي، النهب الفلكي، المحسوبيات المتمأسسة، النمو الفاسد، الخصخصة المريعة، والبطالة المخيفة. ثورة تعيد هيكلة الاقتصاد، وفق المعايير الوطنية لا الأسرية، ووفق الأسس الحقيقية لا الوهمية، ووفق مفهوم الاقتصاد الوطني لا الفردي. وقبل هذا وذاك، وفق المصلحة العامة لا الخاصة. ثورة تستقطب الاستثمارات الأجنبية لا تطردها. وقد تجلى الاهتمام العربي والدولي في عدة خطوات أحسب أنها سريعة ومهمة وتحمل دلالات كبيرة، في مقدمتها، إعلان المملكة العربية السعودية، عن تقديم مبالغ مالية تصل إلى أربعة مليارات دولار أمريكي، تشتمل على وديعة في البنك المركزي المصري وشراء كميات من السندات، وتعهد قطر بمبلغ عشرة مليارات دولار على شكل استثمارات غير محددة في مصر أيضاً. وعلى الصعيد الدولي يأتي تعهد الدول الأعضاء في مجموعة الثماني الكبرى بتقديم أكثر من 20 مليار دولار كمساعدات .. ولتخفيف عبء الديون عن كاهل كل من مصر وتونس.
إن مثل هذه الخطوات، ستساعد على إعادة بناء الاقتصاد في هذين البلدين بصورة سريعة، وستعيد الجاذبية لهما على صعيد الاستثمارات الأجنبية، خصوصاً أن جزءاً من هذه الاستثمارات سار في طريقه إلى الخارج في أعقاب اندلاع الاحتجاجات، بما في ذلك ما يمكن تسميته بـ ''الاستثمارات السلبية'' التي كان وجودها أصلاً يعتمد على ''معايير'' الاقتصادات الفاسدة، وكانت مرتبطة بشكل مباشر وغير مباشر على أركان النظامين المخلوعين. وتكفي الإشارة هنا، إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الاستثمارات لم يكن يدخل في خزانتي الدولتين. والحقيقة أن حجم الاستثمارات الأجنبية الطبيعية في العالم العربي انخفض في الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري إلى 20.9 مليار دولار، مقابل 28.7 مليار في الفترة نفسها من العام الماضي، وذلك طبقاً لقاعدة ''إف دي آي ماركتس''، وهي شركة شقيقة لـ ''فاينانشيال تايمز''. وعلى سبيل المثال، انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في تونس منذ مطلع العام الحالي بنسبة 22 في المائة، وذلك وفقاً لبنك ''ستاندر تشارتر''.
وعلى الرغم أن كل المراقبين توقعوا أن ينخفض حجم الاستثمارات الخارجية الجديدة في تونس ومصر خلال ثورتيهما، فوجئ البعض منهم بخروج استثمارات من دولة كمصر. لكن لا مجال للمفاجأة هنا، إذا ما حسبنا طبيعة الاستثمارات الهاربة، التي - كما أشرت - كانت مرتبطة بشكل أو بآخر بأركان النظامين السابقين المصري والتونسي.
لا شك في أن الاستثمارات الأجنبية تشكل ركناً أساسياً لإعادة بناء الاقتصاد في كل الدول التي شهدت وتشهد تغييرات دراماتيكية، وأن وضع الأسس لاستقطاب هذه الاستثمارات، يسهم بصورة كبرى، في إعادة تأهيل هذه الاقتصادات وفق المعايير المحلية والإقليمية والعالمية. غير أن هناك خطوات أخرى سهلة وغير مكلفة كثيرة أمام الدول الساعية إلى تقديم المساعدة، وفي مقدمتها فتح أسواق هذه الدول بشكل سريع وعملي أمام منتجات البلدان التي بدأت في إعادة بناء اقتصاداتها. فنحن نعرف بأنها تواجه منذ وقت طويل مصاعب في الوصول إلى الأسواق العالمية. لقد اعتبر البعض أن الثورات العربية، سوف تؤدي حتماً إلى هجرة الاستثمارات الأجنبية، وإلى تردد المستثمرين التقليديين في القيام بأي نشاطات اقتصادية. وربما كان هذا صحيحاً في الفترة التي تسبق التأسيس لأنظمة سياسية واقتصادية راشدة، لكن الأمر ليس كذلك في مرحلة ما بعد التأسيس. ففي تقرير لصندوق النقد الدولي صدر قبل شهر ونصف الشهر، توقع أن تكون هذه الثورات جاذبة للاستثمارات بالفعل، لأسباب عديدة، من بينها الديمقراطية والنزاهة (أو الشفافية) والانفتاح على العالم، فضلاً عن أن الأنظمة الجديدة، ستعمل وفق قوانين واضحة، وأن الساحة الاقتصادية فيها ستخلو من الفساد والرشوة والمحسوبيات وغيرها من آثام الأنظمة السابقة.
والحقيقة أن الاستثمار - أي استثمار - يبحث عادة عن حاضنة تتحلى بكل هذه المزايا. وأنقل هنا عن مراقبين غربيين قولهم: ''إن الثورات العربية التي حدثت وتحدث في جمهوريات لم تتبع معايير الشفافية والنزاهة، وغرقت في الفساد الاقتصادي والإداري، تدعو لإرساء العدالة والاستقرار والشفافية، وهذه المعايير هي نفسها التي يتطلع إليها المستثمر الأجنبي والعربي أيضاً''. ونحن نعلم أن الاستثمار الذي يقوم على أسس استراتيجية، يبحث عن الشفافية التي هي من أهداف الثورات، ويضع من ضمن أولوياته الزخم البشري في المنطقة، التي تزخر بشرائح شبابية كبيرة جداً. وقد أجمع بعض المستثمرين الغربيين المهتمين بالمنطقة، على إيجابية ما يجري في دول كتونس ومصر، على اعتبار أنه من شأن ذلك أن يشجع الأجانب على الاستثمار، لما يتوقعون من توافر الحرية والديمقراطية والأمان. ولا شك في أن استقطاب الاستثمارات الأجنبية، لن يتم بزخم كبير أو مستدام، قبل أن تُستكمل الأسس لبناء اقتصادات نزيهة. وهذا الأمر لن يتم إلا بمساعدة مباشرة من الدول العربية المؤثرة اقتصادياً وسياسياً، والدول التقليدية الكبرى.
إن الثورة التي تنجح لن تستكمل أركانها ولن تُحقق أهدافها، إلا بثورة اقتصادية تقضي على كل أشكال الاقتصاد السابق. إنها الثورة الثانية التي لا تقل صعوبة وأهمية عن الثورة الأولى.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي