البطالة والسعودة والحلول الاقتصادية (3)
ليس هذا المقال لتبسيط علم الاقتصاد ككل رغم أن ذلك سيكون هدفا رائعا لسلسلة مقالية في هذه الصحيفة المتخصصة، وبالتأكد هناك من هو أفضل مني لذلك وأكثر تخصصا، ومع ذلك أتمنى لو جاء وقت أتمكن فيه من كتابة تلك السلسلة. هذا لا يعني عدم وجود التبسيط هنا، بل هو هدف وضعته لنفسي - رغم صعوبته - بل في جميع مقالاتي حتى تصل المعلومة الاقتصادية للقارئ غير المتخصص (حتى لو كان من أصحاب القرار)، لكن هنا أيضا تشريح مبسط لموضوع العمل والبطالة فقط.
وبالعودة إلى قصة العمال في الرأسمالية بعد آدم سميث، التي كان أكبر عيوبها التوزيع غير العادل للدخل والسلطة، ولم تكن أفضل أفكار سميث (اليد الخفية) قادرة على تفسير لماذا الرأسمالي (صاحب المصنع والمال) يحصل على الفائض الذي يعتقد العمال أن هم الذين تسببوا فيه أصلا؟ وأعتقد أن مثل هذا التساؤل لا يزال يراود العديد منا، خاصة في سن الشباب الأولى عندما نعمل الكثير طوال شهر كامل لنحصل على راتب صغير في نهايته، بينما الفوائض تتراكم تحت أسماء مثل الاحتياطي النظامي والأرباح المحتجزة والموزعة ومكافآت لأشخاص لا نعرفهم ولم نرهم يعملون معنا.
لقد بذل فلاسفة الرأسمالية جهودا جبارة لتفسير هذا الخلل الكبير فيها، ومرة أخرى كانت تسيطر عليهم أفكار الفلسفة المادية الحتمية للعلم، ولعل أهم وأخطر المحاولات كانت تفسيرات جون ستيوارت مِلْ، حيث قال إن فقر العمال قانون ''مادي'' لا مفر منه. فالأجور تتناقص كلما زاد عدد العمال. وفي سنوات الرأسمالية تلك لم تكن هناك قوانين (ولم تظهر حتى اليوم) لمنع أشخاص من ذوي النفوذ والمال من الوصول إلى سدة القرار وتوظيف المنصب والقوة لزيادة ضعف العمال وفي المقابل تعزيز فرص الاحتكار وتوسيع السلطة (وكلما وصلت إلى هذه النقطة من التفكير أتساءل ولعلك تتساءل معي عزيز القارئ: هل هذه هي المرحلة التي وصلت إليها النظم العربية اليوم لذلك يعيد التاريخ الاجتماعي والاقتصادي نفسه أم أننا نسير بخطى متأخرة عن العالم وأننا لم نزل (في العالم العربي) نعيش مرحلة القرن الثامن عشر؟).
هذه الصورة البائسة للرأسمالي البغيض دافع عنها فيلسوف اقتصادي اجتماعي هو هربرت سبنسر، فلقد رأى أن الطبيعة مرة أخرى هي المسؤولة عن كل ذلك، وهي التي تنتخب وتختار الأفضل للوصول إلى القوة والسلطة، وهي أيضا التي تتخلص ممن هم عند الحد الأدنى وعلى الباقين الخضوع لتجربة البقاء للأصلح، كما قال إنه لا مفر من عمل الطبيعة هذا أبدا، لذلك يجب ألا تتدخل الدولة لتعيقه أو توقفه. وهكذا أصبحت الرأسمالية والتفاوت الناتج عنها والحرمان أمرين مفيدين وأن الطبيعة تنتخب الأغنياء أصحاب النفوذ والقوة باعتبارهم الأفضل لبقاء البشرية ولهذا يجب أن تكون السلطة في أيديهم (وما زال العالم الغربي حتى اليوم يرى له تلك الأحقية في تقرير مصير البشر على الكرة الأرضية، وهي بقايا من فلسفة سبنسر). وأعتقد - من جانب آخر - أن أفكار ونظريات سبنسر التي استند فيها إلى منهج العلم المادي الوضعي Positive هي التي أعطت الانطباع بأن المادية تعني التعلق بالمال وتبرر طرق الحصول عليه بغض النظر عن الحالة الإنسانية، وهو الانطباع الذي وجد بيئة خصبة في العالم الإسلامي والعربي على وجه الخصوص. لذا يجب التأكيد على أن المادية ليس لها علاقة مباشرة بالمال ولا يوجد تعبير يشير إلى أن المال والمادة شيء واحد، لا في الاقتصاد ولا في الفلسفة، مادية العالم الغربي ليس معناها تعلقهم بالمال. بل المفارقة أنك قد تجد لدينا أبشع صور للتعلق بالمال وحبه لدى أشخاص لا يؤمنون بالعلم وحقيقة التجربة العلمية، بينما تجد هناك في الغرب من يعيش وهو يبغض الرأسمالية وحب جمع المال ومع ذلك يؤمن بكل جوارحه ''بمادية'' الحقيقة العلمية.
ولنبدأ بتلخيص بعض النتائج المهمة التي ستنتقل معنا للأمام، فالمنافسة وحرية السوق التي نَظّرَ إليها آدم سميث بقيت روح الرأسمالية، ثم بدأ العمال بالتدفق الكبير والضخم على مناطق العمل حتى تناقصت الأجور بشكل حاد، ووفقا لمفهوم المنافسة فسر ستيوارت مِلْ ذلك الضعف الحاد بقانون تناقص الأجور كلما زاد عدد العمال، وعزز سنبسر كل ذلك بحماية السلطة الرأسمالية الجديدة ومنع تدخل الدولة، لأن كل ذلك أمر طبيعي. وللتلخيص (منافسة حادة للحصول على العمل تؤدي إلى تناقص حتمي للأجور وقوة متعاظمة لأصحاب رأس المال ويجب ألا تتدخل الدولة) (هل ترى عزيزي القارئ أن قوة رفض رجال الأعمال لدينا تشغيل المواطن السعودي إلا عند أجر العامل الأجنبي لها تفسير؟ لا أريد الإجابة الآن .. فقط لنتابع).
مع انتشار أعمال هيجل واجهت المادية الإنجليزية تحدي المثالية الألمانية التي رأت أن الحتمية الإنجليزية والمادية الصلبة (كما كان يصفها المفكر العربي عبد الوهاب المسيري) متناقضة إلى حد خطير، تناقض الحرية التي تدعيها للإنسان، بينما هي تعزز وتبرر السلطة والقوة والنفوذ التي قضـت على حرية الإنسان في النهاية، تناقضها بين التنوير والرومانسية، فلقد بدت الحياة مع التنوير بائسة جدا. لكن أعمق وأخطر أفكار وتأثيرات المثالية الألمانية كانت تأتي من فكرة الصراع الاجتماعي، فعندما يكتسب كيان اجتماعي أو مؤسسة اجتماعية السلطة والنفوذ لا يلبث أن يظهر كيان اجتماعي آخر يعارض ويتحدى، وهذا كان واضحا من تحدي الرأسماليين البرجوازيين سلطة الحكام مالكي الأرض، وبهذا فإن احتمال أن تتعرض سلطة البرجوازية الرأسمالية لتحدي العمال، خاصة إذا جمعوا صفوفهم واعترضوا على أوضاعهم، والأمر لم يكن في حاجة إلى أكثر من مفكر ثوري وجده العمال في كارل ماركس وبدأت الثورة. لن أتحدث عن الماركسية وفلسفتها ولا عن نتائجها الشيوعية الخطيرة، لكني سأتابع تأثيراتها في المسار الرئيس للاقتصاد الرأسمالي.
من الملاحظ أن النظرية الرأسمالية حتى ذلك الوقت لم تعرف ما هي البطالة ولم تنظر إليها. لكن ماركس كان يرى أن الرأسمالية نجحت في خلق ثورة ضخمة من خلال تعظيم الإنتاج بشكل فاق تصور الإنسان في ذلك الحين، لكنها تسببت في تدفق هائل من سكان الريف إلى المدن الصناعية الضخمة. وفي نظره أنه إذا استمر الإنتاج بهذا الحجم والأجور بهذا التناقص فإن الكساد قادم لا محالة وأن البطالة ستكون نتيجة له. ثم جاءت أخطر أفكاره بأن التوزيع غير المتكافئ للسلطة هو الذي يتسبب في توزيع غير متكافئ للدخل، (من آدم سميث نتذكر أن الدخل يوزع بين الأركان الأربعة الرئيسة: الآلة والأرض والعامل ورأس المال) فإذا كانت الطبيعة فرضت تناقص الأجر كلما زاد عدد العمال (أي حصة كل عامل من إجمالي حصة العمال في توزيع الدخل) فإن الإنسان وليست الطبيعة من فرض طريقة التوزيع بين الأربعة الرئيسيين فيعطي للرأسمالي أكثر مما يستحق ودون وجه حق (بسبب التوزيع غير المتكافئ للسلطة). وبينما تورط ماركس في توزيع آخر غير متكافئ للسلطة، وبالتالي الدخل، كان المسار الاقتصادي الرأسمالي الرئيس يحاول تصحيح ذلك الخلل، لكنه تورط في البطالة والكساد والحرب... يتبع.