معالجة مشكلة الديون.. أهمية التوعية والترشيد

انعقد خلال الفترة الماضية ملتقى معالجة مشكلة الديون، بتنظيم من مؤسسة الأميرة العنود الخيرية، بالتعاون مع الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل، وذلك في الفترة بين 28 و30 جمادى الآخرة 1432، وتناول هذا الملتقى مشكلة قد تكون مستعصية في المجتمعات عالميا، ونلمس خطرها في المجتمع في المملكة، حيث بلغت القروض الاستهلاكية للمجتمع ما يزيد على 200 مليار ريال، من خلال مؤسسات التمويل النظامية، أما إذا أضفنا حجم التمويل الذي يتم من خلال مؤسسات أو أشخاص غير مصرح لهم فإنه يفوق ذلك بكثير، ونحن نلاحظ يوميا من خلال الإعلانات في الصحف والإنترنت وأجهزة الصرف الآلي مئات الإعلانات لتقديم قروض شخصية، والنسبة العظمى توجه غالبا إلى الإقراض الاستهلاكي. فالقضية بجميع أبعادها مقلقة في المجتمع، خصوصا أنها تنعكس بشكل تلقائي على الأجيال القادمة، فمع ارتفاع دخول الموظفين من خلال الزيادات الحكومية المتتالية للرواتب، إلا أن حجم القروض الشخصية ما زال في ازدياد، وذلك يعكس حجم الهوس الاستهلاكي لبعض أفراد المجتمع، الذي قد يؤدي إلى آثار سلبية عليهم بشكل فردي، وآثار سلبية على المجتمع بشكل عام. حيث إن المبالغة في الاستهلاك تؤدي إلى زيادة حجم النقد في أيدي الأفراد، وبالتالي الزيادة في الطلب في ظل عدم الزيادة الكبيرة في المعروض، ومن ثم الزيادة في الأسعار، كما أن زيادة حجم النقد في أيدي الأفراد، والإقبال على شراء السلع الاستهلاكية بشكل مبالغ فيه، بحيث يتركز الشراء على السلع الكمالية، سيجعل كثيرا من التجار يستثمر بشكل أكبر في السلع الكمالية، ويقلل التركيز على القطاعات الضرورية والإنتاجية للمجتمع، نتيجة لوجود جانب إمكانية لأرباح أكبر في السلع الاستهلاكية الكمالية مقارنة بالضرورية، وهذا يولد فجوة كبيرة تسهم في قلة الاستثمار في احتياجات المجتمع الضرورية وزيادة أسعارها، وعدم توافرها بشكل كاف في السوق.
والحقيقة أن من أبرز نتائج الملتقى إنشاء مركز لمعالجة مشكلة الديون، يقدم مجموعة من الخدمات للارتقاء بالوعي الاستهلاكي والادخاري لأفراد المجتمع، وذلك من خلال ملتقيات علمية وورش عمل ودورات تدريبية وبرامج توعوية، إضافة إلى البرامج الإعلامية والمقالات الصحافية، وغيرها من وسائل التوعية المختلفة.
من القضايا المهمة في موضوع الديون قضية الاهتمام بالدراسات والبحوث، التي تأخذ في الاعتبار دراسات ميدانية مسحية لواقع المجتمع فيما يتعلق بالديون، حيث إن الركائز الأساسية لزيادة معدلات الاستدانة أو القروض الاستهلاكية بشكل عام ترتبط بالمدين، وهم أفراد المجتمع والجهات الممولة سواء البنوك أو المؤسسات المالية، وبعض المراكز التجارية والأشخاص. والأمر الثالث الاحتياجات، وكل هذه تدخل بشكل رئيس في مسألة الزيادة المتتالية في الديون التي يعانيها المجتمع، وعلاج هذه المشكلة لا بد ألا يستثني واحدة من هذه الركائز الأساسية، ولا بد أيضا من النظر إلى هذه الركائز من أبعاد متعددة، كي يتم الوقوف بشكل دقيق على جانب الخلل في هذه الركائز، ويتم اتخاذ التوجيهات والنصائح والتوصيات المناسبة لعلاج هذه المشكلة.
يضاف إلى ذلك أن مشكلة الديون في الأساس ليست مشكلة للمجتمع السعودي فقط، بل تجد أنها مشكلة مستشرية في كثير من المجتمعات في العالم مع اختلاف مسبباتها، إلا أنه من المؤكد أن هناك قواسم مشتركة بين هذه المجتمعات في أسباب الديون، وبالتالي فإنه من المهم الاستفادة من تجارب المجتمعات الأخرى في جانب التوعية والترشيد. كما أن المجتمعات الشرقية بشكل عام، ومجتمعنا في المملكة، لديه بعض قنوات الإنفاق الناشئة عن بعض العادات والتقاليد في المجتمع، التي بدأت تخرج عن طابعها الصحيح من إبراز للقيم التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم، إلى مظاهر من الإسراف والترف التي تبتعد تماما عن المبادئ الصحيحة التي جعلت مثل هذه العادات والتقاليد تترسخ في المجتمع.
من القضايا المهمة التي برزت في الملتقى أن الاستدانة في حد ذاتها قد لا تكون مشكلة، بل قد تكون أمرا مهما وحاجة ضرورية للأفراد، فتوجد للأفراد احتياجات ضرورية مثل السكن والنقل وغيرها، ما قد لا يتمكن الفرد من توفيره من خلال مدخراته الشخصية، بل يحتاج إلى الاستدانة لأجل ذلك، والاستدانة في هذه الأحوال قد توفر عليه كثيرا من المصروفات، وتحقق له جانب الاستقرار الذي يسعى إليه الفرد، لذلك نجد أن الملتقى أكد من خلال بعض المشاركين أهمية تعزيز مبدأ الإقراض بدون فوائد، أو ما يسمى القرض الحسن، الذي يصنف على أنه صورة من صور التبرع، حيث ورد في الأثر أنه من أقرض مرتين فكأنما تصدق مرة، وهذه قضية مهمة ينبغي أن يسهم فيها المجتمع، حيث أصبح الإقراض بين الأفراد أشبه اليوم بالسنة المهجورة، وذلك بسبب انشار التمويل من خلال المؤسسات المالية، وقد يكون أيضا بسبب ممارسات بعض الأفراد من خلال المماطلة وعدم السداد.
الخلاصة .. أن مسألة الديون الشخصية أصبحت مشكلة تؤرق المجتمع، وقد تكون خطرا في الفترة القادمة إذا لم يتم الترشيد والتوعية بين الأفراد، وتبني مؤسسة الأميرة العنود الخيرية والهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل هذا المشروع يبرز جانب المساهمة الفاعلة من المؤسسات الخيرية وغير الربحية في جانب الاحتياجات للمجتمع ويرتقي بالدور الذي تمارسة المؤسسات الخيرية في المجتمع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي