التعليم في السويد والتعليم في دول الخليج العربي
كانت العرب سابقا تقول إن ''السيف أصدق أنباءً من الكتب''. اليوم صارت الكتب أصدق أنباءً من السيف لأن السيف دون العلم لا يفقد لمعانه فحسب بل وخاصية البتر التي يشتهر بها أيضا.
بدأت بهذه المقدمة لما للموضوع الذي نتناوله اليوم من أهمية تفوق الأهمية التي كان العرب والأمم الأخرى توليها للسيف. الأمة التي لا علم لها اليوم لا سيف لها وإن اشترت أفضل السيوف المعروضة في العالم.
مقارنتنا ومقاربتنا اليوم ذات أهمية بالغة. وسأختصر قدر الإمكان لأنني سأتجنب الحديث عن وضع التعليم والتربية في دول الخليج العربية، ليس لأن لا دراية لي به بل لأن دَرجه ضمن رسالة اليوم قد يصيب البعض بالإحباط لا بل اليأس.
وهل يحتاج العرب إلى المقارنة والمقاربة؟ العرب هم أصحاب الفراسة وبعد النظر. العرب قبل أي أمة أخرى في العالم كان لهم السبق في إجراء مقارنات ومقاربات بين ما لديهم وما لدى الآخرين.
ومن أفضل الردود على ما كتبته حتى الآن كان تعليق لقارئ كريم طلب مني أن أترك شؤون المقاربة والمقارنة للقراء. والعرب تقول: أهل مكة أدرى بشعابها. سألبي طلب قارئي العزيز اليوم وأترك له وللقراء الآخرين مسألة إجراء المقاربة والمقارنة.
والتعليم يأتي في مقدمة أولويات دول متحضرة مثل السويد. لا تسمح السويد بأن يكون التعليم ولا سيما في مراحله الابتدائية والمتوسطة إلا بلغتها الوطنية مع التأكيد على دراسة اللغات العالمية مثل الإنجليزية والإسبانية.
وإن حدث أن أرادت مجموعة أجنبية إقامة مدرسة خاصة بها ـ وهذا أمر نادر جدا ـ عليها تدريس ما لا يقل عن نصف المواد باللغة الأم، السويدية. تعلم اللغة الأم مسألة لا تقبل النقاش في السويد.
التعليم بالنسبة إلى السويد يأتي قبل الدفاع ولهذا تفوق مخصصات التعليم في السويد أضعاف المرات ما تنفقه الدولة على الدفاع. وكي تدير التعليم حسب سياستها الوطنية تحرّم السويد استيفاء أي مبالغ من الطلبة أو أوليائهم مهما كان حجمها. الدولة تدفع كل مصاريف الطلبة من الروضة وحتى الجامعة ومن ضمنها وجبة أو وجبتا طعام.
ويكلف التعليم بمراحله المختلفة الدولة بين 35 و40 مليار دولار في السنة (نحو 137 مليار كرون سويدي)، حسب سعر الصرف السائد. هذا المبلغ الخرافي في بلد تعداد سكانه ثمانية ملايين.
وللسويد وزارة واحدة ـ وزارة التعليم والبحث ـ تعنى بشؤون التعليم والتربية في كل مراحل التدريس. بيد أن هذه الوزارة لا تتدخل في التفاصيل. مهمتها وضع سياسات عامة لكل المراحل من حيث مضمون ومحتوى المناهج وما يتوقع أن يتعلمه الطالب من علم نظري وعملي لإعداده للعمل المثمر في اختصاصه.
وتنفيذ هذه السياسات العامة يقع على كاهل البلديات أو مجالس المحافظات المنتخبة. وكلما ارتقت هذه البلديات بمستوى التعليم وزادت من نقاط المفاضلة، زادت ميزانيتها. وهكذا ترى أن الكل يتبارى في تقديم أفضل ما لديه للمدرسين والمعلمين والأساتذة كي تخرج مدارسهم ومعاهدهم وجامعاتهم أمهر الخريجين.
ونتائج المباراة العلمية بين المدارس والجامعات تظهر في الدور الذي تلعبه في إعداد طلبة كفوئين يتلقفهم أصحاب العمل. إحدى المحافظات السويدية، مثلا، تشتهر بتدريس العلوم الكهربائية على المستوى الإعدادي. وبما أن الكهرباء اليوم هي عماد الصناعة، تولي السويد أهمية فائقة كل ما يتعلق بالبنية الكهربائية في البلد من محطات ومحولات ومصابيح وأسلاك وغيرها.
وقد ازداد عدد الشركات التي تعنى بالطاقة كثيرا في الآونة الأخيرة لدرجة أنها تمنح اليوم خريجي الإعدادية من قسم الكهرباء رواتب تفوق ما قد يحصل عليه أقرانهم من خريجي الجامعة. واليوم تعاني الكلية التقنية في جامعتنا قلة المتقدمين لأن معظم خريجي قسم الكهرباء في المراحل الإعدادية يدخلون سوق العمل مباشرة.
كل هذا التعليم الراقي يتلقاه الطالب وهو ووالداه لم ينفقوا فلسا واحدا من جيبهم الخاص. لا بل تدفع الدولة للطلبة منحا مالية تعتمد على دخل العائلة. والطالب يتخرج وقد درس بلغته الوطنية وتلقى تعليمه حسب المنهج والمناهج الوطنية وليس الأجنبية ومع ذلك تراه يكتب بالإنجليزية ويتحدثها بطلاقة.
وهذا التعليم هو الذي مكن السويد من صنع حلقات من الأسلحة ، ولا سيما في صنف المدفعية والقنابل والمتفجرات والطائرات والدروع والأسلحة الليزرية والأسلحة الذكية والنواظير ما يفوق مثيلاتها في دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.
دول الخليج العربية لا تنقصها الموارد المالية كي تطور التعليم لديها بما يقارب السويد. إذاً ما السبب في تخلف التعليم لدى هذه الدول؟ أترك الجواب عن هذا السؤال المهم للقارئ الكريم.
وإلى اللقاء.