قبول الأخطاء الصغيرة وتحديات الخيارات كبيرة

يواجه مجتمعنا تحديات كبيرة تصب كلها تحت خيارين: الأول يدور حول رغبتنا واستعدادنا المجتمعي لبناء دولة عصرية قائمة على قدراتنا التنظيمية والعلمية وليس النفطية، وإن استخدمنا العوائد النفطية كوسيلة مقننة لهذا الغرض، والآخر: الركون إلى استهلاك عوائد النفط كبديل لاستحقاقات الدولة العصرية، وشتان بين الاثنين وإن كانت طبيعة العصر الاستهلاكية وضغط كبسولة الزمان قد يغرران بالبعض في عدم التفريق أو شراء الوقت. وضوح الخيارات لا يعطي أحدا فرصة للمفاضلة، ولكن كما يقال الشيطان في التفاصيل العملية. في عالم اليوم المحموم بالنقاش لن تجد قلة في التنظير أو ذكر الأبعاد ذات العلاقة أو الهواجس الفكرية الصحية والتآمرية أو النزوات العاطفية، فالكل يريد أن يدلي بدلوه.
حالما يبدأ النقاش سرعان ما يدب الخلاف وتحس بضعف أرضية الانطلاقة الفكرية وشح المصادر المعرفية وقلة خبرة أغلبية من يأخذ على عاتقه قضايا الرأي العام. خيط النسيج بين هذه المدخلات القاصرة ورسم حدود التحديات الكبيرة يمر بقدرتنا الفائقة بالقبول بالتنازلات الصغيرة والتغاضي عن الأخطاء الصغيرة وإهمال الجزئيات، ثم التوقع بل المطالبة أن نصل إلى الأهداف الكبيرة. أصبحنا مثل من يريد حل مسألة رياضية معقدة ولكنه يقبل أو حتى يعرف أن بعض مدخلاتها لم تحل أو حتى لم تحدد بدقة ثم يأمل أن يصل أخيرا إلى الحل الصحيح. لا بد أن السبب إما الاستسلام للغيبيات أو التنازل الأخلاقي على أمل شراء الوقت أو التوافق مع آخرين في القالب نفسه أو عدم كفاءة مفجع. أيا كان السبب فالنتيجة واحدة: ضرر واضح على الكل.
هناك أخطاء وتنازلات قاتلة، مثل فتح باب الاستقدام على مصراعيه ثم المراهنة على السعودة، مثال آخر: قبول أكثر من 90 في المائة من طلاب الثانوية في الجامعات، ثم المطالبة بتخريج قيادات فاعلة، بينما الدول المتقدمة لا تقبل أكثر من 40 في المائة، مثال ثالث: المراهنة على حل مشكلات الإسكان دون رسم على الأراضي، ومثال آخر أيضا استرخاص جميع المنافع والوقود ثم المطالبة بالترشيد وبناء قطاع مواصلات عامة ومحاربة التهريب. نطالب باستثمار أجنبي، بينما نحن بلاد مصدرة لرأس المال، وأخيرا نطالب بالتغيير ثم نحافظ على كل من تعدى سن التقاعد من كبار الموظفين. الراصد لهذه التناقضات لن يعرف ماذا نريد.
لا يمكن أن نبني دولة عصرية على سلسلة متناقضات تهلكنا ماليا واقتصاديا وتعمينا فكريا وترهقنا عاطفيا. عقلنة المجتمع تبدأ بفك طلاسم هذه التناقضات والعمل على توجيه كل سياساتنا نحو هدف تحقيق الدولة العصرية، وهذا ممكن جدا إذا تكونت لدينا الرؤية والشجاعة للكف عن الأخطاء الصغيرة لخدمة الهدف الكبير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي