قيادات حكومية تعمل من أجل الناس وليس البيروقراطية!
لقد حظيت بالعمل مع قيادات إدارية حكومية متميزة، وكانت فرصة لملاحظتهم من كثب والتعرف على رؤاهم وطريقة تفكيرهم وأسلوبهم القيادي وسماتهم الشخصية. والحديث عمن تعرفهم أو تعمل معهم يحمل في طياته فرصا ومحاذير، فمن جهة يمثل فرصة في نقل التجربة الإنسانية وتقديمها للآخرين كنموذج وقدوة للاستفادة منها، فكثير من المعارف والنماذج في السلوك الإنساني هي نتيجة خوض تجارب يعيشها الباحث لينخرط فيها بكل أحاسيسه ليتولد لديه شعور وفهم يؤهله لوصف الحالة الإدارية، وهو أمر ليس بالسهل، فهو أشبه إلى حد كبير بمحاولة وصف الإحساس بلمس شيء حار، خاصة لمن لم يخوضوا تلك التجربة من قبل! ومن جهة أخرى قد يُعتبر الحديث عن تلك القيادات نوعا من المجاملة والمداهنة وبعيدا عن الموضوعية والحيادية، وهو أمر لا يخلو من الصحة في خضم ما يكتب في الصحف من تمجيد وتطبيل للأشخاص يصل إلى حد الابتذال والاستخفاف. لذا تكون الكتابة في هذا الموضوع مراهنة على حذق القارئ الباحث عن الحقيقة الذي يقرأ بموضوعية ورغبة في المعرفة ولديه القدرة على التمييز بين الإطراء والمديح وذكر الإيجابيات والمناقب.
هناك سمات مشتركة بين هؤلاء القادة الإداريين تضعهم في قائمة التميز ودائرة النخب القلائل الذين يصنعون التحول في مؤسساتهم وفي حياة كثير من الناس عبر مبادرات جديدة وجريئة برؤية مشتركة وروح الجماعة من أجل أن يربح الجميع وليس لتحقيق المجد الشخصي. يأتي في مقدمتها عمق الفكر والرؤية المستقبلية، فهم يعملون في الحاضر من أجل المستقبل. وتراهم يتحدثون عن أفكارهم ومشاريعهم المستقبلية بكل ثقة وعزيمة وإصرار وكأنما يطلون على المستقبل من نافذه في يوم صحو ليروا ما لا يراه الآخرون. هذه القدرة هي نتيجة توليد الأفكار وقراءة واستشفاف المستقبل وتحليل المتغيرات وبناء صورة لما سيحدث بكل دقة وتفصيل. هذه السمات لا تتوافر إلا لدى قيادات إدارية قليلة تتمتع بقدرات ذهنية وعمق ثقافي وسعة اطلاع وخبرة إدارية ثرية. توليد الأفكار الجديدة ينم عن دافعية قوية لدى هذه القيادات في البحث عن الأفضل والتميز في الأداء وإدراك أهمية التكيف مع المستجدات، بل حتى صناعة المستقبل بالإعداد له واستباق الأحداث. تلك القيادات الإدارية لا تقبل أن تسيطر عليها الأحداث وترفض أن تكون قراراتها مجرد ردود أفعال وإدارة طوارئ تطفئ حريقا هنا أو هناك. هي قيادات تسعى نحو الوصول حيث لم يصل أحد، وسبر أغوار المستقبل ليقودوا الآخرين عن علم ومعرفة وبشجاعة وعزيمة رغم التحديات الكبيرة والصعاب والنقد اللاذع الذي يتعرضون له من المثبطين المتفرجين الذين يكرهون التغيير ويرون في نجاحات الآخرين خسارة لهم، أو لعلهم لا يملكون القدرة على استيعاب الأفكار الإبداعية!
الميزة الأخرى للقادة الإداريين أنهم لا يقفون عند حد التفكير النظري، إنما يسعون جاهدين إلى تحويل تلك الأفكار إلى مشاريع تطويرية تنموية على الأرض تنفع الناس. وربما كانت هذه السمة أشد صعوبة من سابقتها. لأن التفكير النظري، على أهميته، يبقى بعيدا عن الآخرين حبيس القيادي يدور في ذهنه ويختلج في صدره وهو ملكه الخاص لا ينازعه أحد حتى يشرع في التطبيق فيكون للآخرين نصيب ورأي لأنهم حينئذ يؤثرون ويتأثرون. ولأن تطبيق الأفكار والمبادرة الجديدة تعني إحداث تغيير في الأوضاع الراهنة والتحول إلى أوضاع جديدة تتبدل فيها قوانين اللعبة وتجلب معها معايير جديدة للربح والخسارة، تقاوم وتشن عليها حربا ضروسا ممن يأنسون المكوث في منطقة الراحة وعمل ما اعتادوه وألفوه ولا يحبذون الانتقال إلى مستويات أعلى من الإنتاجية.
وفي ظل المناخ الإداري البيروقراطي الذي يشجع على الاستكانة والرتابة يقوم هؤلاء المتكاسلون المتقاعسون بتوظيف الإجراءات الروتينية في إعاقة المشاريع الإبداعية بإدخالها في دوامة العمل الروتيني الورقي، يراهنون على أن طول الإجراءات كفيل بقتل تلك الإبداعات ووأدها في مهدها. لكن القيادات الإدارية الواعية ذات النفسيات الصحيحة والفكر المستنير والمقاصد العظيمة والهمم العالية لا ترضى أن تكبلها القيود الإدارية وترفض أن تقزم أحلامها وطموحاتها وأن تختزل في دائرة الروتين البيروقراطي الذي لا يغني ولا يسمن من جوع، ولا يرضون بأن يكون الجهد والعمل شكليا يدور في دائرة مفرغة لا يحقق مصالح المواطنين؛ الغاية التي أنشئت من أجلها الأجهزة الحكومية.
السمة الثالثة لأولئك القياديين الإداريين هي تحقيق الذات ومعرفة ما يستطيعونه وما لا يستطيعونه. وهذا يترجم إلى احترام الذات واحترام الآخرين والتخلي عن الكبر والتعالي، على الرغم مما يجلبه المنصب من سلطة ووجاهة يبعث في النفس الغرور ويدفع نحو تسطيح آراء الآخرين. لذا يتميز هؤلاء القياديون بنظرة واسعة وعميقة لمفهوم السلطة، في أنها للدعم والمساندة والتطوير وليس للإجبار والإكراه والسيطرة. ولأنهم أصحاب أفكار جديدة يرون قبول الآخرين ضروريا، لأن التغيير يتطلب قوة دافعة وربما قصرت سلطة المنصب ولم تكف لإحداثه. وهنا يصلون إلى حقيقة مفادها أن الطاعة شريك السلطة، فمقدار السلطة يحدده مقدار الطاعة! هكذا إذا ينجح القياديون في تطويع السلطة من أجل مصلحة الناس التي تزيدهم قوة ولتتسع دائرة تأثيرهم ونفعهم وتتضاعف مع مرور الوقت. هذا التواضع لا يمكن أن تصنعه ويلزم أن يكون فطريا ونابعا من الذات بكل قناعة، وميزته أنه يجعل القائد الإداري صافي الذهن يرى الأمور بموضوعة وحيادية ويكون هدفه خلق أوضاع مربحة للجميع.
وأجد هنا لزاما أدبيا أن أرد الفضل إلى أصحابه وأن أذكر أسماءهم، فما يستفيده الشخص من العمل مع هؤلاء القياديين المتميزين أو حولهم، هو روح العمل القيادي الذي لا تجده في الكتب ولا حتى برامج التدريب ولا قاعات الدراسة، وذلك لقدرتهم على تحويل الأفكار إلى ممارسة وجعل الممارسة تستند إلى معايير وخطط واضحة المعالم. هذا التزاوج العجيب بين النظرية والتطبيق مصدر نجاحهم وتميزهم. يأتي في مقدمتهم الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار، وهو في مقدمتهم لأنه يكاد يكون القيادي الوحيد الذي يخوض التجربة الإدارية الأصعب والأكثر تحديا، فقد قام بمهمتين في آن واحد، الأولى تأسيس جهاز حكومي من الصفر على معايير مهنية عالية، والأخرى بناء البنية التحتية لقطاع السياحة، وجميع ذلك في ظل التحديات الإدارية البيروقراطية وثقافة الرفض الاجتماعي لكل جديد. وتجربته الإدارية أفرزت كثيرا من النماذج والأفكار الإدارية، من أهمها اتفاقيات الشراكة وبناء قدرات المجتمعات المحلية وتمكين الموظفين وخلق بيئة تنظيمية متعلمة ومنفتحة وشفافة. القيادي الثاني هو الأمير الدكتور عبد العزيز بن عياف أمين منطقة الرياض، وسر تألقه أنه حول الأمانة من بيروقراطية إلى مؤسسة حية، وقدم ثقافة جديدة في إدارة العمل البلدي مبنية على التفاعل مع سكان المدن ليطوع البيروقراطية لخدمة الناس، وربما تكون جهوده في أنسنة مدينة الرياض وجعلها مكانا جذابا للعيش والعمل على الرغم من كبر حجمها، علامة بارزة في أسلوبه القيادي. أما القيادي الثالث فهو الدكتور عبد الله العثمان مدير جامعة الملك سعود، الذي أحدث قفزة، بل طفرة نوعية في إدارة الجامعات واستطاع في مدة قياسية أن يبعث الروح في الجامعة بناء على رؤية واضحة وقيم الجدارة والتنافسية والمهنية، وأن يحررها من ثقافة التراخي. جلب الدكتور العثمان أفكارا جديدة، وعلم أن تحويل هذه الأفكار إلى واقع يحتاج إلى موارد، وهذا ما عمل من أجله عندما بادر باستجلاب الدعم عبر الكراسي البحثية والوقف في تواصل فاعل بين الجامعة والمجتمع. المشترك بين جميع هذه النماذج القيادية أنها استطاعت كسر الجمود البيروقراطي وعمل ما ينفع الناس.