متى يتحلل نظام الملالي وينهار؟!
لا يخالج المراقب الحصيف أي شك في أن نظام الملالي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بدأ يتداعى ويوشك على الانهيار، ويبدو من قراءة الأحداث الساخنة في محيط الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن حكم الملالي دخل في المرحلة الأخيرة من نظرية الدورات التاريخية، وهي مرحلة الشيخوخة، حيث إن نظرية الدورات التاريخية تقول إن الحضارات والدول تمر بالمراحل نفسها التي يمر بها الإنسان، أولاها مرحلة الولادة، فمرحلة الشباب والازدهار، ثم مرحلة الشيخوخة.
بمعنى أن حكومة الملالي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقترب من نهايتها وأن إيران مقبلة على مرحلة من مراحل انقلاب الحكم من المحافظين إلى الإصلاحيين الذين سيأخذون إيران إلى مرحلة التصالح مع المجتمع الدولي.
إن بول كندي في كتابه ''سقوط الدول العظمى'' يقول إن سقوط الدول - في جميع أطوار التاريخ - يرتهن إلى سببين رئيسين، هما اللعب على أطراف الحروب والتدهور الاقتصادي.
ولو تعقبنا حكومة الملالي منذ نجاح ثورة الخميني في عام 1979 نجد أنها أغرقت نفسها في الخلافات الداخلية وعدم الاعتراف بالديمقراطية كجين في اللعبة السياسية، ثم لعبت على سياسة حافة الهاوية مع كل الدول الكبرى وتبنت مشروعها النووي الذي وجد معارضة شديدة من المجتمع الدولي، ثم َوتّرَتْ علاقاتها مع دول الجوار بالتدخل السافر في شؤونها الداخلية عن طريق إثارة النعرات الطائفية في عدد من دول الخليج كالبحرين والكويت.
ولا شك أن انتهاج سياسات تتعارض مع سياسات المجتمع الدولي، وكذلك القيام بأعمال عدائية سافرة مع دول الجوار، وعدم احترام المعارضة السياسية المحلية ستؤدي إلى انفضاض هذا النظام.
لذلك لم يمض وقت طويل من عمر حكومة المحافظين في إيران إلا وقد نشأت داخل هذا الفيلق معارضة سياسية من الإصلاحيين لإنقاذ نظام الثورة الإيرانية، واصطدم الإصلاحيون بحكومة أحمدي نجاد، وعلى أثر ذلك ارتكب المحافظون سلسلة من الأخطاء، حيث جابهوا الإصلاحيين بالعنف وخرجوا على قواعد احترام الرأي والرأي الآخر، ولم يعترفوا بأن المعارضة السياسية جين طبيعي في صلب النظام الديمقراطي، وأنه يجب التعامل معها كطرف منافس مشروع وليس كعدو متربص.
وعلى صعيد السياسة الخارجية فإن نظام الملالي لم ينجح في بناء تحالفات مع الدول الكبرى أو الصغرى، وإذا استعرضنا تحالفات حكومة المحافظين نجدها ضيقة وهشة تتمثل في علاقة إيران مع سورية أو علاقة إيران مع حزب الله في لبنان، وأخيرا علاقة إيران بحركة حماس. ومن ناحية الحكومة السورية فإنها تواجه ثورة شعبية كتلك الثورة التي أطاحت بحكومة الشاه في إيران وجاء بسببها الملالي إلى سدّة الحكم، بمعنى أن الحكومة السورية المتحالفة مع نظام الملالي تتعرض لثورة شعبية تتقدم نحو الإطاحة بالحكومة الحليفة مع نظام الملالي البغيض.
واليوم تكاد هذه التحالفات تسقط قبل أن يسقط نظام المحافظين الإيرانيين، ما يعني قرب فقد إيران نظام الأسد القمعي، كما أن حزب الله في لبنان يعتبر أحد الأجنحة المرجح سقوطها؛ لأن حزب الله قائم على دعم سورية وإيران، وبسقوط حكومة الأسد في سورية وحزب الله في لبنان سيفقد نظام الملالي جناحين مهمين من أجنحته في العالم العربي، أمّا بالنسبة لحركة حماس في فلسطين، فإن الاتفاق الذي وقعته حماس مع فتح في 4 أيار (مايو) 2011 في القاهرة كفيل بانسلاخ حماس من الملعب الإيراني تماما.
إذن نحن أمام أربعة عوامل كفيلة بإنهاء حكم الملالي قريبا جدا في إيران، يأتي في مقدمتها صعود أسهم المعارضة الإيرانية ونشوب خلاف بين رئيس الجمهورية أحمدي نجاد والمرشد الأعلى للجمهورية آية الله علي خامنئي في قضية إلغاء إقالة وزير الاستخبارات وإعادته إلى منصبه، ثم قيام أحمدي نجاد بإقالة ثلاثة وزراء مقابل الرضوخ لعودة وزير الاستخبارات، ثم فقد الحلفاء والأجنحة، إضافة إلى الخلاف المستعر مع الغرب، ثم الخلافات المشتعلة على كل صعيد مع دول الجوار.
وفى السياسة الدولية إذا اتسعت رقعة هذه الأسباب، فإن نظام الدولة يتجه إلى التحلل والاضمحلال، أمّا إذا أضفنا إلى ذلك الفشل الذريع المتوقع للمشروع النووي الإيراني الذي أصابته فيروسات الغرب بأعطال مدمرة دون حاجة إلى استخدام أي وسيلة من وسائل القوة العسكرية المدمرة، فإنه سيؤدي إلى حنق شعبي واسع الأرجاء؛ لأنه كلف الشعب الإيراني مبالغ هائلة وطائلة دون أي عائد معنوي أو مادي مجزٍ.
وللأسباب التي أشرنا إليها فإننا نراهن على أن الانتخابات الإيرانية القادمة التي ستبدأ بعد عامين، ستكون مرحلة فارقة في تاريخ حكم الملالي؛ إذ إنه من المتوقع أن يفقد المحافظون موقعهم في سدّة الحكم، وأن الإصلاحيين هم الذين سيفوزون في الانتخابات.
وإذا شكل الإصلاحيون الحكومة فإنهم سيسعون إلى إجراء تغيرات واسعة في السياسات الخارجية والداخلية للجمهورية الإيرانية تبدأ بإصلاح العلاقات مع الغرب، وكذلك إنهاء التوتر في العلاقات مع دول الجوار، وبالذات مع السعودية، بل قد يصل الأمر إلى تعديل المشروع النووي أو التراجع عنه، وهو مشروع لا فائدة من ورائه ولا تستطيع إيران استخدامه لأسباب استراتيجية كثيرة!
وهكذا حينما يلفظ نظام الملالي أنفاسه الأخيرة يعود الهدوء إلى منطقة الخليج، لكن هذا لا يعني أن حكومة الإصلاحيين الجديدة ستسقط المطالب الإيرانية بالجزر الإماراتية، أو سيسقطون إطلاق اسم الخليج الفارسي على الخليج العربي، إنما ستكون هذه القضايا في مقدمة القضايا القابلة للحوار، لكنه الحوار ذو النفس الطويل والمديد!