عمر أفندي.. وجميل الأفندي!
يبدو أن الثورة التي اندلعت في مصر في 25 يناير 2011 بدأ يشوبها الكثير من الشطط والانحرافات، وأهم هذه الانحرافات هو نقض ورفض الاتفاقيات والصفقات التي تمت في عهد الرئيس السابق محمد حسني مبارك، بل الأخطر من ذلك هو صدور أحكام قضائية ببطلان بيع وشراء كثير من الصفقات التجارية التي تمت في عهد الرئيس السابق.
طبعاً هذه الأحكام ستؤثر سلباً في مناخ الاستثمار في مصر؛ لأن الصفقات تمت تحت غطاء قانوني لا تشوبه أي شائبة، كما أن الصفقات مرت في كل القنوات الشرعية، ومن أهمها مجلس الشعب الذي وافق بالأغلبية على بيع صفقة عمر أفندي لشركة أنوال السعودية في سابقة لم يسبق لها مثيل.
لقد أصدر القضاء المصري بعد الثورة حكماً بإلغاء صفقة بيع أراضي منتجع بالم هيلز الذي كان نجل الرئيس السابق علاء مبارك يملك حصة فيه، وكذلك يملك السعوديون في هذا المنتجع استراحات كثيرة، كما أصدر القضاء الإداري حكماً ببطلان صفقة بيع أرض توشكى إلى الأمير الوليد بن طلال، وثالث الأثافي أن المحكمة الإدارية في مصر أصدرت حكماً ببطلان عقد بيع شركة عمر أفندي للمستثمر السعودي شركة أنوال المتحدة للتجارة التي يملكها المستثمر السعودي جميل القنيبط.
ونحن هنا لا نناقش صفقة توشكى؛ لأن الأمير الوليد بن طلال سعى جادا إلى حل القضية وديا منطلقا في ذلك من «حبه لمصر وتعزيز استثماراته فيها».
ولكن ما يمكن أن نستنتجه من قضية بطلان بيع عمر أفندي لشركة أنوال المتحدة أن العلاقة بين المستثمرين السعوديين ومجلس الأعمال السعودي ـــ المصري ربما كانت تشوبها شائبة، وكنت أتمنى لو أن مجلس الأعمال هو المبادر بالاتصال بالمستثمر السعودي جميل القنيبط والتعرف عن قرب على كل أبعاد القضية، ومن ثم دعم المستثمر السعودي في الحصول على حقوقه القانونية من صفقة تجارية اكتملت كل حلقاتها القانونية والمالية والإدارية.
وإذا كان مجلس الأعمال ينتظر حتى يطرق القنيبط أبوابه، فأنا لست مع منظمات المجتمع المدني التي تنتظر حتى تأتيها القضايا لا سيما وأن قضية عمر أفندي احتلت مكانة بارزة في الإعلام المصري الذي كان يمارس كل أشكال الضغط للتأثير في القضاء لإصدار حكم ببطلان الصفقة، وحينما أصدرت المحكمة الإدارية حكماً ببطلان الصفقة هلل الإعلام المصري بغير وجه حق، ونؤكد أنه لو طرحت صفقة عمر أفندي للبيع مرة أخرى الآن فإنها لا تأتى بما أتت به في المرة السابقة.
ولذلك فإن بطلان صفقة عمر أفندي يعني أن المواطن السعودي جميل القنيبط سيخسر ما مقداره 1.3 مليار جنيه مصري؛ لأن شركة عمر أفندي في وضع لا يحسد عليه، وتعاني خسائر هائلة لا تمكنها من أن تعيد إلى المستثمر السعودي أمواله التي دفعها نقداً لشراء 90 في المائة من الشركة، ثم كان ''أفندياً'' أكثر من عمر أفندي، فصرف على الشركة أموالاً طائلة لإعادة هيكلتها.
ولذلك فإن المطلوب من مجلس الأعمال السعودي ـــ المصري أن يدعم سعي المستثمر السعودي الذهاب إلى التحكيم الدولي لكي يأخذ حقه القانوني كاملاً.
طبعاً دون أدنى شك أن الاقتصاد المصري في أمس الحاجة إلى مناخ يساعد على جذب الاستثمارات الأجنبية، ولا يؤدي إلى هروب الاستثمارات الأجنبية وأخص بالذات الاستثمارات الخليجية؛ لأنها تمثل نحو 80 في المائة من الاستثمارات الأجنبية في مصر.
إن الاقتصاد المصري في الوقت الراهن أحوج ما يكون إلى الاستثمارات الأجنبية كي ينهض ويستعيد حيويته ونشاطه، وإذا لم تتخذ الحكومة المصرية قرارات عاجلة وقاطعة لتحسين مناخ الاستثمار، فإن الاستثمارات الأجنبية في مصر إلى تراجع وتحتاج إلى ثقة ويقين حتى يعود مناخ الاستثمار إلى ما كان عليه في عهد الرئيس مبارك، ولا شك في أن أبسط وسائل جذب الاستثمارات الأجنبية هو احترام الاتفاقات وعدم نقضها دون مبررات قانونية، ونعرف جميعاً أن القانون الدولي يحمي الاتفاقات، ويؤكد أن تغيير الأنظمة لا يخول لها نقض الاتفاقات، بل إن الأنظمة السياسية المتعاقبة مسؤولة عن الاستمرار في احترام وتنفيذ الاتفاقات السابقة واللاحقة.
ومن ناحيته؛ فإن رئيس مجلس إدارة شركة أنوال السعودية التي اشترت 90 في المائة من شركة عمر أفندي طعن في حكم المحكمة، وقرر أن يلجأ إلى التحكيم الدولي، ولكن رئيس مجلس الأعمال السعودي ـــ المصري الدكتور عبد الله دحلان قال في تصريحات صحافية غريبة: إن صفقة عمر أفندي تقع خارج اختصاص المجلس؛ لأنها دخلت إلى أروقة المحاكم قبل ثورة 25 يناير بأكثر من سنة.
طبعاً التصريح يبدو أنه غريب وغير واضح، وأنا أستغرب هذا الموقف من مجلس الأعمال السعودي ـــ المصري، بل أستغرب هذا الحد الذي وضعه الدكتور عبد الله بين ما قبل وما بعد الثورة، ويكفي أن نقول: إن أموال مستثمر سعودي تتعرض للضياع بغير وجه حق، وأقل ما يجب أن يقوم به مجلس الأعمال أن يقوم بمبادرات تحمي هذا المستثمر من ظلم أشر يقع عليه في وضح النهار بصرف النظر إذا كان قبل أو بعد الثورة!
وفي العموم إن مجلس الأعمال يجب أن يحمي أي مستثمر وفي أي ظرف من الظروف من أي اعتداء سافر على حقوقه المشروعة سواء بقوة القانون المحلي أو بقوة القانون الدولي، ويجب ألا يبحث عن مبررات غير قانونية للابتعاد عن الدفاع عن حقوق المستثمرين السعوديين الذين سبق أن ضاعت حقوقهم، وستضيع حقوقهم في مثل هذه المواقف!