رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


البطالة والسعودة والحلول الاقتصادية (1)

البطالة مشكلة اقتصادية في جوهرها حتى إن بدت لها أعراض أمنية أو اجتماعية، وهي مشكلة ليست حديثة وليست خاصة بنا أو بأي دولة في العالم، هي مشكلة العالم بأسره، مشكلة الصراع الأزلي بين الغنى والفقر، لها حلول مؤقتة، والحل الدائم لها لم يزل بعيد المنال أمام العقل البشري. فهي تشبه مرضي السكري والضغط لا حل لها إلا بالتعايش السلمي. النظرية الاقتصادية الحديثة تقدم وسائل للتعايش فقط، لكنها تعترف بالبطالة كجزء من المشكلة الاقتصادية الكلية، وفي نظري لو حُلت هذه المشكلة ـــ بالذات ـــ لما بقي للاقتصاديين الكثير لمناقشته وتقديم الاستشارات حوله، فوجود البطالة يقدم مساحة عمل واسعة للمستشارين الاقتصاديين. لا أقصد أنهم سُعَداء بوجودها، لكنها فرصة للعمل، كما الأطباء ليسوا سعداء بوجود المرض، لكنهم سيخسرون حتما لو تمت معالجة كل الأمراض. إنها الأضداد، علاقة المرض الذي يتطلب علاجا والعلاج الذي يخلق مرضا.
يتداخل موضوع البطالة مع موضوع العمل، ولدينا حالة خاصة نسميها السعودة (وهو مصطلح ليس اقتصاديا بأي حال، ولعل ذلك مما يفاقم المشكلة ويعقد فهمها). هذه المصطلحات مجتمعة (مع اعتراضي على مصطلح السعودة) تشكل قضية اقتصادية واحدة ومهمة جدا، قضية مرت بتغيرات خطيرة وعميقة غيرت في كل مرحلة من مراحل تطورها وجه النظرية الاقتصادية، فالخلاف الهائل في تفسير حق العُمّال وحق رب العمل خلق النظرية الماركسية وتسبب في ثورة العُمال، حاولت النظرية الاقتصادية الرئيسة أن تعالج الأخطاء فوقعت في فخ الكساد العظيم، تعثرت هناك ثم نهضت بعكازات النظرية الكنزية تخطو خطوة وتتعثر في الأخرى. وبينما انغمست الماركسية في دهاليز الديكتاتوريات السياسية حتى ضاعت معالمها ثم اضمحلت حلولها، بقيت قضية العمال العاطلين في النظرية الرئيسة صداعا لا علاج له وكابوسا مفزعا، وكلما غفا للمراقبين الاقتصاديين جد بالتذكار عهد. النظرية الاقتصادية الحديثة تتعامل مع البطالة كما يتعامل الكيماوي في معمله، فالمسألة غدت مسألة توازن المركبات والحفاظ على هذا التوازن. قد نصدر القوانين والإشارات الحمراء والخضراء ونتعسف في تطبيقها ونفرض غرامات قاسية لمن يخالفها، وقد نبتكر ''ساهر'' خاصا للسعودة، لكن موضوع البطالة لا (ولن) يُحل إلا بتوازنات اقتصادية دقيقة، وفي كل الأحوال علينا أن نرضى بنسب من البطالة تتناسب مع تركيبتنا الاقتصادية. هنا أحيل القارئ الكريم إلى مقالة الدكتور مقبل الذكير بعنوان ''مخاطر التوظيف القسري''. وهذه السلسلة المقالية تأتي تأييدا لرأي الدكتور مقبل وإسهاب تنظيري منذ نشأة مشكلة العمل حتى اليوم، والحلول التي جربها العالم وتركيبتنا الاقتصادية والحل والمنظور المناسب لها. وفي نهاية المطاف قد لا يعتبر البعض ما أنظر إليه حلا، لكن يكفيني أن أسهم في فك بعض رموز التركيبة الاقتصادية المأمولة حتى لو لم أنجح في تركيبها.
فمع ظهور الإسلام كان هناك الرقيق والموالي وأصحاب العمل السادة، كان الإنتاج يأتي من عمل الرقيق والموالي (إنتاج المزارع والعمل الحرفي) وكان العبيد يحصلون فقط على احتياجاتهم من الغذاء والكساء دون أن تكون لهم حقوق للتملك وصناعة الثروة بينما يؤول باقي الثروة من الإنتاج إلى السادة، لذلك جاءت وصايا الرسول الكريم ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ بأن يهتم المسلم بالرقيق الذين يعملون عنده، وفي هذا يقول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ ''للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلاّ ما يطيق''. وفيما يخص الموالي فإن عليهم دفع جزء من الدخل لمولاهم بحسب المتفق عليه (وهذا بحسب نوع الولاء وأسبابه). كما كانت هناك منظومة من وصايا الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ التي تفسر علاقة الأجير (العامل) برب العمل، لكن استحقاقات الأجير دائما ما تكون في حدود سد لقمة العيش. في العالم الأوروبي وقبل عصر النهضة كان الإنتاج بصفة عامة مرتكزا أيضا على الزراعة والعمل الحرفي، وكان هناك رقيق ومجتمع ريفي حر إلى حد ما يزرع الناس فيه ويصنعون من أجل العيش فقط، وعليهم تسليم جزء من الدخل إلى طبقة من أسياد الكنيسة والأمراء والنبلاء كإيفاء لحقهم أو في مقابل حمايتهم. وفي كل الأحوال، حتى بدايات عصر الثورة الصناعية في أوروبا لم تكن هناك مشكلة في حجم العمل المتاح، فقد كانت الأسر في حاجة إلى كل يد لتعمل في الزراعة أو الحرف اليدوية، ولا يوجد هناك مفهوم للبطالة أو مشكلة سوق العمل سواء في العرض والطلب. كان هناك كثير من الأراضي الزراعية في حاجة إلى من يعمل فيها، وتعمل الأسر ـــ في الغالب الأعم ـــ من أجل البقاء وليس من أجل صناعة الثروات، لذلك لم تكن هناك أسئلة كبيرة حول الأسعار وتفسيراتها لأن الأسعار دائما ما تلامس حد الكفاف (ذلك المفهوم الذي سيكون له أثر بالغ في المراحل الاقتصادية التالية).
مع تباشير عصر النهضة وبزوغ شموس البحث العملي وتحرره من رق الكنسية ظهر فلاسفة اقتصاديون أطلق عليهم (الفيزيوقراطيون) بمحاولات جادة لتفسير العائد من الزراعة الذي يطلبه النبلاء ولماذا على العمال الرضا بحد الكفاف. وجاءت أهم التفسيرات في عبارة ستؤثر في مسيرة الفكر الاقتصادي في القرون التالية (الإنتاج يخلق فائضا في الإيراد يزيد على حاجة العمال)، وفي ظل مفهوم سائد في ذلك العصر أن إنتاج الثروة كلها ينشأ في الزراعة ولا ينشأ شيء منها في أي صناعة أو تجارة أو حرفة أخرى. فالتجار بوجه خاص يشترون ويبيعون الناتج نفسه قبل الشراء وبعد البيع دون أن يضاف إليه شيء خلال ذلك، والشيء نفسه يحدث في الحرف اليدوية (كانت تمثل الصناعة في ذلك الوقت) فلكي يزيد دخل الإسكافي يجب زيادة عدد الأبقار. فكل ما تفعله هذه الحرف اليدوية أنها تضيف قوة العمل إلى المنتجات الزراعية لكنها لا تخلق الثروة. ونتيجة لذلك يجب أن تؤول كل الفوائض لطبقة النبلاء لأنهم الملاك الحقيقيون للمزارع، وعلى الباقين الرضا بحد الكفاف، حتى لو كان ذلك بفرض الضرائب. يتبع..

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي