أسباب تعثر البنوك الاستثمارية في المملكة
تعاني الشركات والبنوك الاستثمارية في المملكة مشكلات كبيرة مستمرة لأسباب موضوعية لن تنتهي في القريب العاجل، نظراً للتداخل الهيكلي مع الدوري من ناحية وتداخل الكفاءة مع حاجة السوق من ناحية أخرى. الواضح أن هذه الجزئية في قطاع الخدمات المالية في المملكة لا تحقق عائدا مجزيا على رأس المال، بل إن أغلبية هذه الشركات تسجل خسائر متواصلة دون أفق واضح للربحية أو استكشاف نماذج جديدة خلاقة للعمل المصرفي الاستثماري.
هناك أربعة أسباب رئيسة للتعثر في نظري؛ الأول يعود إلى طبيعة النشاط الاقتصادي في المملكة من ناحيتين فهو اقتصاد تقوده الاعتبارات المالية وليس الأعمال الاقتصادية، مثل حقيقة أن أغلب الإصدارات الأولية للتخارج وليس لتمويل توسعات استثمارية، وبالتالي ليس هناك أعمال كثيرة تتطلب معرفة مالية معقدة أو صفقات استحواذ، ومن ناحية أخرى ليس هناك إلحاح في الحاجة إلى المشورة المالية المعمقة. السبب الثاني يعود إلى حقيقة أن هناك بنوكا استثمارية كثيرة مقارنة بالفرص المتوافرة، وبالتالي تنافسا سلبيا على الأسعار والتضحية بالجودة من ناحية واستمرار الخسائر المالية للكثير من ناحية أخرى. أحد مظاهر هذا التوجه أنه حينما انخفض حجم التداول بحدة سرعان ما أصبحت الوساطة غير جذابة. السبب الثالث يعود لعدم توافر الكفاءات في الغالبية العظمى من هذه الشركات، خاصة أن "ثمرة" هذا الجزء من الصناعة المالية هي الأعلى في الشجرة، وبالتالي الأصعب. لدينا ثمرة عالية ومتسلق غير كفء في الغالب. رابعاً، هناك إشكالية تنظيمية، حيث إن هذا النوع من الشركات عادة ما ينجح حينما يكون مبنياً على شراكة بين الأعضاء العاملين وليس بالوكالة.
ما آفاق التطور مستقبلاً؟
السبب الرئيس لاستمرار الكثير من هذه الشركات (خاصة الجديدة) في العمل على الرغم من سوء أدائها يعود إلى تناقض في المصالح بين الموظفين والملاك، فالموظفون يتقنون البحث عن أسباب لاستمرار مريض على حافة الموت، والملاك إما أنهم يخشون الدخول في تفاصيل لا يعرفون الكثير عنها وإما أن استثماراتهم تمثل حصصا صغيرة بالنسبة لهم، حيث يضيع الدم بين القبائل والرغبة في تفادي نزاع ناتج عن طمع أوعدم معرفة أو الاثنين كليهما، وكذلك يحدو البعض الأمل أن تتحسن الأوضاع.
التعامل مع أوضاع هذه الشركات سيعود إلى طبيعة ملاءتها، فهناك ثلاثة أنواع من الشركات: النوع الأول مملوك للبنوك وأغلبها سيستمر بسبب اعتمادها على البنوك على الرغم من الفصل الصناعي بينها وبين البنوك. والنوع الثاني يتمثل في الشركات الأجنبية التي تراهن على تحول استراتيجي وأن الحضور في المملكة جزء من شبكتها العالمية، وكذلك تركز على جذب الأموال، حيث إن المملكة بلد مصدر لرأس المال. النوع الثالث وهو الغالب والأكثر تأثراً والأقل وضوحاً في الاستراتيجية والكفاءة. هذه الشركات مملوكة في الغالب لمستثمرين سعوديين وأحيانا شركات خليجية. ما يعقد طبيعة هذا النوع هو الاختلاف الكبير في عدد الأنشطة التي تسعى إلى ممارستها. أحد أعراض هذا النوع أن الملاك لا يعرفون طبيعة هذه النشاطات ولا حتى كفاءة من وظفوا لإدارة هذه الشركات.
لعل من قائل إن هذه العملية الداروينية هي جزء من عملية التطور وإن البقاء للأصلح ولكن لا بد للملاك من الوعي ولا بد من الرقابة الرصينة والمباشرة من قبل الهيئة ومساءلة مكاتب المراجعين وملاحقتهم مالياً إذا كان هناك أي تلاعب أو تجميل في القوائم المالية. كذلك على الهيئة النظر في حث الغالبية العظمى على الاندماج أو الإغلاق تدريجياً. إعطاء الفرصة شيء والوصول إلى تطوير المهنة شيء آخر.