رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


السؤال الذي يجب طرحه عند مقارنة السويد بدول الخليج العربي

المقارنة والمقاربة من أهم المعايير لدى البشر لمعرفة مكانتهم في الحضارة الإنسانية. اليوم بإمكاننا إصدار أحكام عامة مستندين إلى مقارنة ومقاربة ما لدى فرد أو عائلة أو مجتمع أو دولة بما لدى الآخرين. والبشر مولعون بالأرقام والإحصائيات. كلما زاد الفرق بالأرقام زادت الهوة عند المقاربة والمقارنة.
الأرقام تتحدث، هكذا نقول. بيد أننا إذا أخذنا الأرقام المجردة بعين الاعتبار، رأينا أن الهوة بين السويد وبعض الدول الخليجية تنكمش لا بل قد تمنح هذه الدول مكانة مميزة تفضلها على السويد. وهكذا قد يكون دخل الفرد في دولة خليجية أعلى منه في السويد. أو قد يكون الإنتاج القومي في دولة خليجية أكثر منه في السويد إذا أخذنا عدد السكان بعين الاعتبار. هنا أسأل: هل يحق لنا، استنادا إلى هذه الأرقام، الاستنتاج أن مستوى الفرد من النواحي الحضارية والثقافية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية وغيرها أرفع شأنا في البلد الخليجي هذا منه في السويد؟
الأمر قد يبدو شائكا للبعض، إلا أنه ليس كذلك في الواقع. الواقع الاجتماعي الحقيقي لا نكشفه من خلال الأرقام فحسب. الواقع الاجتماعي نصل إليه من خلال طرحنا أسئلة محددة تنير الدرب لنا للوصول إلى كيف تم تحقيق هذا الإنجاز وليس عن طريق طرح أسئلة محددة تدلنا على الوضع وما هو عليه الآن.
كيف حدث هذا وكيف صار هذا وكيف وصل الأمر إلى هذا الوضع هي الأسئلة التي يجب أن نطرحها دائما إن أردنا التوصل إلى الحقيقة والإنصاف والعدل.
هذه أسئلة يرفض الغرب إثارتها عند تعلق الأمر بالمسائل التي تخص العرب والمسلمين. الغرب مثلا يحارب ما يسميه "الإرهاب" دون هوادة درجة أنه قد يقترف إرهابا أشنع من الإرهاب الذي يحاربه في أراضي العرب والمسلمين، إلا أنه يرفض رفضا قاطعا الجواب والتعامل مع أسئلة مهمة للغاية تتعلق بالأسباب والأوضاع التي تدفع بعض العرب والمسلمين إلى مقارعته والأنظمة والمنظمات التابعة له. السؤال الذي يثيره الغرب ويجاوب عنه بالقوة والبطش والعنف هو: ما هذا؟ وليس، كيف ولماذا حصل هذا؟
بالطبع هذا أبشع أنواع النفاق في التعامل. السبب واضح لكتاب من أمثالي من الذين درسوا في الغرب وأخيرا حصلوا على كرسي التدريس في جامعاته. الغرب لا يسأل ما هذا أبدا عند بحث أي مسألة تخص مجتمعه ومستقبله. دائما يحاول الغرب عند مناقشة مشاكله ومستقبله طرح أسئلة تبدأ بـ "كيف حصل هذا ولماذا وكيف بإمكاننا حل هذا المشكل؟
السويد دولة غربية وعلمانية صرفة دورها، رغم صغرها، فعال في المجتمع الدولي، لأنها استطاعت وما زالت تقدم في كثير من سياساتها الداخلية نموذجا يحسده العالم عليها. السؤال الذي يثيره المسؤولون فيها قد يبدأ بـ "ما هذا؟" ولكن سرعان ما يتحول إلى ورشة يشترك فيها أكثر الناس خبرة وعلما وليس وجاهة وقرابة للتوصل إلى لماذا حصل هذا وكيف تجب معالجته.
وهذا ما يحدث الآن حيث يعمل الخبراء والعلماء والتقنيون دون كلل وملل ودون تدخل من الوجهاء والأقرباء لمساعدة المجتمع على كيفية التغلب على مشكلة الطاقة الأحفورية (النفط والغاز) في شؤون المواصلات؟ وبناء على الدراسات التي قدموها سيكون بإمكان السويد في سنين قليلة، إذا تطلب الأمر، التخلص من السيارة الشخصية (هناك أكثر من أربعة ملايين سيارة في السويد) دون أثر سلبي يذكر في المجتمع واقتصاده. وتجري اليوم ثورة حقيقية في المواصلات العامة ولا سيما السكك الحديد والقاطرات السريعة والباصات التي تسير دون استخدام البنزين. وأكثر أمر راقني كان القرار بزيادة المساحات المخصصة لسائقي الدراجات الهوائية ومنحهم الأفضلية في الشارع. وكنت أنا وزوجتي من المستفيدين من قرار استخدام الدراجات الهوائية. وسأتكلم عن ذلك في المستقبل بعون الله.
في دول الخليج والدول العربية بصورة عامة الكل يسأل ما هذا؟ وليس هناك من يجيب. السؤال يكون كيف حصل هذا ولماذا وكيف تمكننا معالجته؟ عندما يفشل مجتمع مع قادته في إثارة أسئلة كهذه وفقدان النية الصادقة في الإجابة عنها يحصل كل ما لا يتمناه المرء. وصار كثير من العرب اليوم يقاتل بعضهم بعضا، يقتلون ويقاتلون إخوانهم وأبناء أوطانهم لأنهم، في رأيي المتواضع، لا يتجرؤون على إثارة أسئلة حقيقية عن وضعهم ولا يقبلون تولي العلماء والخبراء وأصحاب الحكمة والفطنة الإجابة عن لماذا وكيف.
وأترككم في حفظ الله وصونه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي