رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المرحلة العربية الجديدة: ضعف الحكومات

بدأ البوعزيزي مرحلة تاريخية جديدة في العالم العربي ــــ ظاهرة التغيير من خلال الانتفاضات والغضب الشعبي ــــ بعد أن سيطر على العالم العربي الضعف التنموي في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. بعد أن نالت أغلب الدول العربية استقلالها في الربع الثاني إلى الربع الثالث من القرن الماضي، بدأت تجارب معدودة مع الديمقراطية الناقصة، بدأت الحقبة بأنظمة عسكرية في غالبها بعد أن اغتصبتها السلطة. تختلف الدول الملكية في مصادر الشرعية، وإن لم تختلف كثيرا في الأداء التنموي. غلب على ما بعد حقبة الاستقلال قوة الحكومة المركزية وهيبة السلطة. الصفة الغالبة على هذه الحكومات هو مدى قوتها وسيطرتها على نواحي الحياة كافة. الإشكالية أن هذه الحكومات لم تستغل هذه القوة والسلطة مع الفرق بين الاثنتين في الحكم الرشيد والتمهيد للبناء المؤسساتي.
يبدو أننا في نهاية حقبة وبداية أخرى، وما التاريخ إلا البناء على ركام حقبة لدخول حقبة جديدة. هناك احتمالان، الأول هو أن تفشل هذه الحركات، كما حدث في أوروبا في أواسط القرن الـ 18، حينما استطاعت الطبقات التقليدية والرجعية من العودة إلى السلطة مرة أخرى في سنوات قليلة. الاحتمال الثاني أن تتشكل هذه الحقبة بحكومات ضعيفة بسبب النتائج العملية لنظام ديمقراطي لا بد أن يكون منقوصا بسبب ما سبقه والرفض الشعبي المتوقع للتجربة السابقة بعد أن عرف الجميع مدى فداحتها. فبعد أن سيطر على الحكم مجموعة ضيقة قد نبدأ بمرحلة جديدة حينما يدخل أكثر من مجموعة إلى نادي الحكم الجديد. تنطلق هذه المجموعات غير المتجانسة من رؤى وبرامج وسياسات تختلف جذريا؛ فهذه المجموعات تبدأ من منطلقات دينية أو قومية أو ليبرالية؛ هذه الانقسامات الأيديولوجية لن تبعث على نظام متجانس أو حتى منظومة حكم قوية قادرة على التوافق اللازم لأخذ قرارات مؤلمة لمواجهة التحديات الكبيرة. لعل تجربة العراق مع اختلاف ظروف وصول النخب الجديدة إلى الحكم لنذير بما هو قادم لأغلب الدول العربية.
رد الفعل الطبيعي وحتى النشوة الثورية قد ترحب بهذا التطور، ولكن الإشكالية أن إحدى إرهاصات الحقبة الجديدة قد تفقد هذه الدول القوة المحورية الضرورية في الوقت الخطأ. عدم التجانس في داخل هذه الدول سيكون عائقا رئيسا لتوحيد الجهود. يأخذ عدم التجانس عدة أشكال بعضها مخيف مثل الانقسامات الفئوية وبعضها الآخر طبقي، وبالتالي المناداة بسياسات شعبوية بعيدة عن الاستحقاق المستقبلي. عدم التجانس يضعف الحكومات ويجعلها تركز على أقل مستوى من التوافق، وهذا عادة لا تمكن المجتمع من أخذ القرارات الحاسمة. لم يلحق بالغرب في العصر الحديث إلا دول شرق آسيا، وهذه تميزت بحكومات قوية فاعلة واضحة الطرح التنموي.
يلوح في الأفق مخاطر كبيرة، فبعد أن فشلت الحكومات العربية في ظل حكومات قوية، هل ستنجح في ظل حكومات ضعيفة؟ قد يذكر بعضهم أننا جرّبنا الحكومات القوية فدعنا نجرّب الحكومات الضعيفة. هذا الطلب قد يكون مقبولا على المطلق، ولكن التجارب العملية لا تدعمه حتى في الدول المتوسطة التقدم مثل ماليزيا أو تركيا. فبعد أن يحصل العرب على ما يريدون قد يجدونه أقل مما يريدون.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي