صديقنا الأمريكي .. محمد
"حايل يا بعد حيي" تغريدة فنية، لفنان راقٍ شدا بها منذ سنوات، وكرّس من خلالها وفاءً تجاه واحدة من حبات قلب الوطن السعودي الجميل.
كان طلال مداح، وهو يؤدي أغنية "حايل يا بعد حيي" يصوغ وجه مدينة غمرت نفسها بضوء تاريخ يزهو بحاتم الطائي، سيد الكرم الذي لا يضاهيه فيه أحد؛ فنال ثناء النبي - صلى الله عليه وسلم - بل أكرم ابنته الأسيرة وأعتقها لأجل سيرة والدها وأثنى عليه.
نحتاج دوما إلى محفزات تستحضر صورا بيضاء، نباهي بها، في وقت يبدو فيه أن مساحة البياض تضيق، وسط شح يغالب النفوس فتبخل حتى بالابتسامة، ناهيك عن الوفاء والعدل وغيرهما من القيم التي لا يختلف على أهميتها أي إنسان على هذه البسيطة.
تسارعت تلك الخواطر في ذهني وأنا أقرأ مقالة الكاتب مشعل السديري التي سرد من خلالها قصة محمد الشبرمي (الشرق الأوسط 7/5/2011). ومحمد الشبرمي حائلي، خرج من مدينته الصغيرة هاربا من فقر مرحلة ماضية، لينتقل بعدها إلى لبنان ومنها إلى أمريكا. في لبنان وفي أمريكا لم يستنكف الشبرمي عن العمل في غسل الصحون وغيرها من الأعمال البسيطة. في محطته الأمريكية انخرط محمد في التعليم. كافح أميته ليصل إلى أعلى المراتب العلمية، ويصبح خبيرا أمريكا في شؤون الشرق الأوسط تحت مظلة الأمم المتحدة. الأمريكي محمد الشبرمي لم ينس بيئته، ولا أسرته. ولم ينس الناس الذين وقفوا معه في بداياته في لبنان؛ إذ بحث عنهم وساعدهم. قلم الكاتب مشعل السديري صاغ قصة هذا الإنسان بعبارات رشيقة ورائعة. والرجل يستحق فعلا أن يتم رصد تفاصيل مسيرته بشكل أوسع.
إن محمد الشبرمي يعطي الجيل الحالي أكثر من رسالة، الأولى تتعلق بالإصرار والصبر وعدم الترفع عن أي عمل في البداية لصياغة المستقبل الأفضل. الثانية أنه لم ينس والديه رغم طول الغربة وجورها ولم يتنكر لمن ساعدوه حتى من خارج أسرته. وأخيرا هو لم ينظر للماضي بشيء من الخجل أو الغضب، هو يتحدث عن فقره ليس باعتباره عيبا، بل يعتبره دافعا له جعله يتنقل من حائل إلى البقاع ومنها إلى بيروت ليعتلي سفينة تقله إلى أمريكا. هناك بدأ الرجل، لكن حالة الترقي العلمي والثراء واكتسابه الجنسية الأمريكية وزواجه هناك لم يجعله ينفصل عن جذوره. محمد الشبرمي وضع العولمة في كف، ووضع الماضي في كف أخرى، فترك في ذهني وفي أذهان كثيرين بصمة مميزة. إنه صديقنا الأمريكي الذي نحبه. شكرا لمشعل السديري الذي عرفنا بهذا الصديق.