الغطرسة والسلطة
لقد بات من الشائع على نحو متزايد أن نسمع محافظي البنوك المركزية البارزين في أمريكا وأوروبا يعلنون الحكم التالي فيما يتصل بأزمة 2008 - 2010: ''لقد كان أداؤنا حسنا''. وتتلخص وجهة نظرهم في أن الإجراءات الحكومية المختلفة التي اتخذت لدعم النظام المالي ساعدت في استقرار الوضع. فما العيب على أية حال في أن تسفر مشتريات بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من الأصول عن بعض أرباح (والتي تم تحويلها بعد ذلك إلى وزارة الخزانة الأمريكية)؟
إن وضع القضية في مثل هذا الإطار يُعَد في أفضل الأحوال انخراطا في الوهم. ولكنه في أسوأ الأحوال يخلق صورة من الغطرسة التي لن تسفر إلا عن تقويض المصداقية التي تستند إليها سلطة البنوك المركزية.
إن التكاليف الحقيقية المترتبة على الأزمة لا تقاس ببيانات الأرباح والخسائر لأي من البنوك المركزية - أو بما إذا كان برنامج إغاثة الأصول المتعثرة، الذي تديره وزارة الخزانة الأمريكية، ربح أو خسر المال في إطار أنشطته المختلفة.
كانت التكلفة ثمانية ملايين وظيفة في الولايات المتحدة وحدها، مع هبوط معدلات تشغيل العمالة بنسبة 6 في المائة عن أعلى ذروة بلغتها - في تناقض واضح مع فترات الركود التي شهدتها أمريكا منذ عام 1945 - والتي لا تزال حتى اليوم أدنى من تلك الذروة بنحو 5 في المائة، رغم مرور 31 شهرا منذ اندلاع الأزمة.
وتشتمل التكلفة أيضا على زيادة في صافي الديون الحكومية التي يحتفظ بها القطاع الخاص - وهو المقياس الأكثر دقة للمديونية الحكومية الحقيقية. وبمقارنة توقعات مكتب الميزانية في الكونجرس الأمريكية في الأمد المتوسط من قبل (في كانون الثاني (يناير) 2008) بتوقعات ما بعد الأزمة، يتبين لنا أن الزيادة في الدين بلغت 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
والواقع أن السبب وراء ذلك يرجع إلى الأزمة المالية المفترضة التي تعاني منها الولايات اليوم - جنبا إلى جنب مع تدابير خفض الإنفاق التي ستلحق الضرر بالمزيد من الناس - واضح وبسيط: فقد عملت البنوك على تضخيم نفسها بتكاليف عظيمة تحملها الشعب الأمريكي، إلى جانب الآثار السلبية العالمية الكبرى. والواقع أن أغلب الزيادة في الديون العامة في الولايات المتحدة وأماكن أخرى لا ترجع إلى أي نوع من الحوافز المالية الاجتهادية؛ بل إنها ترجع في أغلبها إلى خسارة العائدات الضريبية التي صاحبت الركود العميق. (كما ساعدت التخفيضات الضريبية التي أقرتها إدارة بوش على الشريحة الأكثر ثراء من دافعي الضرائب، وفوائد الرعاية الطبية غير الممولة، والحربان الممولتان بالاستدانة في أفغانستان والعراق، في إلحاق الضرر الشديد بالتوقعات المالية في الأمد البعيد).
وأخيرا، اشتملت تكاليف الأزمة على خسارة الملايين من المنازل وتدمير حياة الملايين من الناس، وبعضهم بشكل دائم.
والمسألة ليست ما إذا كان بنك الاحتياطي الفيدرالي، أو أي بنك مركزي، ينبغي له أن يسعى إلى منع انهيار النظام المصرفي في بلاده. فلكي ندرك التأثيرات الشديدة المترتبة على الأزمة المصرفية ما علينا إلا أن ننظر إلى ما هو أبعد من فترة ثلاثينيات القرن العشرين التي درسها بن برنانكي بكل تفاصيلها قبل أن يتولى رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وإذا كانت الخيارات المتاحة عند أي لحظة بعينها تقتصر على توفير الدعم للنظام أو تركه لينهار، فيتعين علينا أن نختار الدعم بلا أدنى تردد.
ولكن على نطاق أوسع، وعلى حد تعبير دينيس لوكهارت رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ولاية أطلنطا في الأسبوع الماضي أثناء المؤتمر الجماهيري الذي نظمته تلك المؤسسة، فلا ينبغي لنا أن نسعى إلى تشغيل نظام ما استنادا إلى مبدأ ''المكاسب الخاصة والخسائر العامة''. وتنحرف هذه الخسائر إلى حد كبير وعلى نحو يفتقر إلى الكفاءة بشكل فادح، هذا فضلا عن كونها غير عادلة على الإطلاق.
وبوسعنا أن نقيس المكاسب الخاصة بشكل أكثر مباشرة في هيئة تعويض تنفيذي. فأثناء الفترة 2000 - 2008 كان الأشخاص الذين أداروا أعلى 14 مؤسسة مالية في الولايات المتحدة يتلقون تعويضات نقدية (مرتبات ومكافآت، فضلا عن الزيادة في قيمة الأسهم المباعة) بلغت نحو 2.6 مليار دولار.
ومن هذا المبلغ، كان أعلى خمسة من المديرين التنفيذيين أجرا يحصلون على ملياري دولار، وكان الأشخاص أنفسهم مسؤولين بشكل أساسي أيضا عن خلق هياكل الأصول العالية المخاطرة والتي دفعت النظام المالي إلى حافة الهاوية: ساندي ويل (الذي أسس سيتي جروب التي تضخمت بعد رحيله عنها بفترة بسيطة)؛ هانك بولسون (الذي نجح في توسعة جولدمان ساكس بشكل كبير، ومارس الضغوط للسماح بالمزيد من الروافع المالية في البنوك الاستثمارية، ثم انتقل إلى وزارة الخزانة الأمريكية وساعد في إنقاذ البنوك نفسها)؛ أنجيلو موزيلو (الذي أسس كنتري وايد، التي كانت بمثابة اللاعب الأساسي في طفرة الإقراض العقاري غير المسؤول)؛ دِك فولد (الذي قاد ليمان براذرز إلى الخراب)؛ وجيمي كين (الذي قاد بير شتيرنز إلى الخراب).
والواقع أن الخسائر العامة هائلة بالمقارنة: ما يقرب من ستة تريليونات دولار (التريليون = مليون مليون)، إذا قصرنا أنفسنا على الزيادة في الدين الحكومي الفيدرالي. ولا يزال كبار المسؤولين التنفيذيين في البنوك يصرون على أنهم لا بد وأن يُسمَح لهم بإدارة أعمال عالمية تعتمد على الروافع المالية بشكل كبير، وحيث يحصلون على رواتبهم ومكافآتهم استنادا إلى عائداتهم على حقوق الملكية - غير معدلة طبقا لأي شكل من أشكال المخاطر.
لقد بحثت أرقى العقول المالية المستقلة لمدة طويلة وبقدر عظيم من الجهد في هذه الترتيبات، وفي ضوء ما علمناه في السنوات الأخيرة، تبين أن هذه الترتيبات هزيلة للغاية (راجع صفحة أنات أدماتي من كلية الدراسات العليا لإدارة الأعمال في جامعة ستانفورد للاطلاع على التفاصيل). ويرى هؤلاء الخبراء أن البنوك الضخمة لا بد وأن تعتمد في تمويلها على الأسهم العادية بشكل أكبر - ربما بنسبة 30 في المائة من تمويلها. ولكن المصرفيين يرفضون هذا التوجه بشدة (لأنه من المرجح أن يؤدي إلى انخفاض ما يحصلون عليه من رواتب ومكافآت)، كما يرفضها محافظو البنوك المركزية (لأنهم مقتنعون إلى حد أعظم مما ينبغي باحتجاجات المصرفيين).
هناك العديد من المزايا المترتبة على استقلال البنوك المركزية التي يديرها محترفون قادرون على الحفاظ على المسافة المناسبة بينهم وبين السياسة. ولكن حينما يصر كبار القائمين على إدارة هذه المؤسسات على أن الاستجابة للأزمة سارت على ما يرام، وأن كل شيء سيكون على خير ما يرام، حتى في ظل تعثر المؤسسات المالية العملاقة التي تسببت في اندلاع الأزمة، فإن هذا من شأنه أن يؤثر في مصداقيتهم سلبا لا محالة.
وينبغي لهذه الحقيقة أن تثير انزعاج محافظي البنوك المركزية؛ وذلك لأنهم لا يملكون إلا مصداقيتهم. والواقع أن الدستور الأمريكي لا يضمن استقلال بنك الاحتياطي الفيدرالي. فقد أسس الكونجرس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهذا يعني أن الكونجرس قادر على حل هذا المجلس. وإذا افترضنا استبعاد الضرر الذي قد تجلبه البنوك الضخمة التي تفرط في الاعتماد على الروافع المالية، فإن أسطورة ''الأزمة الحسنة'' لا تسفر على الأرجح إلا عن زيادة الضغوط السياسية على البنوك المركزية.
خاص بـ ''الاقتصادية''
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2011.