مستقبل الطاقة النووية العالمية بعد كارثة فوكوشيما
بعد أكثر من ستة أسابيع على الزلزال القوي وأمواج المد اللاحقة التي ضربت اليابان، والتي تسببت في أضرار جسيمة للموانئ والسكك الحديدية ومحطات توليد الطاقة الكهربائية بأنواعها، لم يتم السيطرة بالكامل حتى الآن على الوضع المتأزم في محطة الطاقة النووية فوكوشيما Daiichi، وحتى وقت كتابة هذا المقال، طبيعة الأضرار التي لحقت بثلاثة مفاعلات في المحطة النووية لا تزال غير واضحة تماما. متى يتغير هذا الوضع وتصبح الأمور أكثر وضوحا، عندها فقط يمكن تقييم بصورة نهائية الآثار البشرية والبيئية والمالية التي تسببت بها حادثة فوكوشيما. مع ذلك فإنه بات من الواضح جدا أن طبيعة المخاطر للطاقة النووية قد تغيرت بشكل كبير مرة أخرى، كما كان الحال في أعقاب كارثتي جزيرة الثلاثة ميل Three Mile Island وتشرنوبل.
بعد حادث تشيرنوبل في عام 1986 الطاقات الإنتاجية لمحطات الطاقة النووية العالمية استقرت ولم ترتفع، حيث إن العديد من البلدان أوقفت عددا من المفاعلات التي كانت قيد الإنشاء أو قامت بإلغاء خطط التوسع. لكن بحلول مطلع عام 2011، بعد ربع قرن عن الكارثة ونتيجة تنامي القلق العالمي حول تأثير انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون، بدأت الصناعة النووية في تحويل الرأي العام العالمي لصالحها. على الرغم من كون الطاقة النووية ما زالت تعتبر باهظة الثمن، إلا أن العالم بدأ ينظر إليها كونها آمنة وخالية من الانبعاثات، حيث بدأت التوقعات تشير على نطاق واسع إلى بداية عصر نهضة الطاقة النووية. لكن في أعقاب حادثة فوكوشيما، انعكس الكثير من هذا التقدم، بدأ ينظر إلى الطاقة النووية مرة أخرى باعتبارها مجازفة وتنطوي على مخاطر كبيرة.
هذه التطورات وتزايد الأصوات المعارضة من المرجح أن تضائل حماسة الشركات للتخطيط لإنشاء محطات طاقة نووية جديدة. في الوقت نفسه، تسعى الحكومات إلى إعادة تقييم جوانب السلامة والأمان لمحطات الطاقة النووية، حيث إنهم في نهاية المطاف هم من يتحملون التكاليف الباهظة للحوادث النووية الخطيرة.
إن تضاؤل حماسة الشركات بصورة أكبر اتجاه بناء محطات جديدة للطاقة النووية يعني أن المحفزات الحكومية الحالية لم تعد من المحتمل كافية لتشجيع الشركات على بناء المحطات النووية. على الدول التي ترغب في توسيع محطاتها النووية أن تسهم في التكاليف بصورة كبيرة، في جزء كبير منه على الأقل من المال العام. سيتعين على الحكومات أيضا إعادة النظر في التزاماتها ضمن المحطات القائمة؛ كون الحكومات هي الضامن النهائي الوحيد في حالة وقوع حادث نووي خطير، سينصب التركيز بوجه خاص على تصاميم المفاعلات القديمة التي يمكن اعتبارها معيبة. سيكون دعم الرأي العام للطاقة النووية عاملا حيويا أيضا في جميع الدول، عدا القليل. ألمانيا مثلا تعتبر المثال الأكثر تطرفا في هذا الجانب، حيث إن على الرغم من الجهود الهائلة التي يبذلها الساسة لكسب الرأي العام المتأرجح، المزاج العام عاد على الفور إلى الموقف التقليدي المناهض بشدة للطاقة النووية في غضون الأسابيع التي تلت حادثة فوكوشيما. لكن الرأي العام في بلدان أخرى لها مواقف أكثر اعتدالا اتجاه الطاقة النووية، قد يبدأ أيضا بالتأرجح، خصوصا إذا ما استغرق استقرار محطة فوكوشيما أشهرا أو أكثر والتكاليف استمرت بالارتفاع.
من التداعيات الأخرى لحادثة محطة فوكوشيما هي أن الحكومات سوف تقوم بتعزيز إجراءات الرقابة بصورة أكبر على المحطات النووية. في اليابان مثلا، على مدى العقود الماضية أثيرت عدة تساؤلات على مدى فعالية الهيكل التنظيمي للرقابة على المحطات النووية فيها. حيث إن الإشراف على الصناعة النووية في اليابان هو من اختصاص وكالة السلامة النووية والصناعية، لكن هذه الوكالة تتبع إداريا إلى وزارة التجارة والصناعة، التي من الناحية المؤسساتية تعد من المؤيدين والداعمين للطاقة النووية. لكن هذا الوضع من المتوقع أن يتغير بعد الحادثة الأخيرة. أما على المستوى العالمي فإن هذه الحادثة أعطت الحكومات حافزا قويا لإصلاح نظام الرقابة والسلامة النووي، والقضاء على الهياكل التنظيمية التي يمكن أن تعزز تضارب المصالح وتؤدي إلى ثغرات في السلامة مكلفة. حيث من المتوقع أن يشكل الإصلاح التنظيمي عاملا حاسما في الحفاظ على أو إعادة تشكيل الدعم الشعبي لمحطات الطاقة النووية.
إن التكاليف المرتبطة بتعزيز إجراءات الرقابة والسلامة، التأكيد على الاختبارات، وإعادة التصاميم والتأكد من القدرة النووية ستؤدي جميعها إلى زيادة تكاليف توليد الطاقة الكهربائية من المحطات النووية. هذا قد يشجع على زيادة الاستثمارات في أنواع الوقود الأخرى والتكنولوجيات. إضافة إلى ذلك، أي إغلاق للمحطات أو تأجيل أو إلغاء بناء محطات جديدة سيؤدي إلى تفاقم تكاليف توليد الطاقة الكهربائية من المحطات النووية أكثر. في الوقت الحاضر، فقط المحطات التي تعمل بالوقود الأحفوري لها القابلية للتعويض عن طاقات المحطات النووية الكبيرة المتوقفة؛ ما قد يؤدي إلى زيادة أسعارها. علاوة على ذلك زيادة استهلاك الوقود الأحفوري في أوروبا سيؤدي إلى ارتفاع سعر الكربون، ما قد يحول التوازن لصالح الغاز، هذا أيضا سيؤدي إلى زيادة تكاليف توليد الطاقة الكهربائية.
أي عملية تقييم لمخاطر الطاقة النووية من المتوقع أن تشمل أيضا تقييما لمخاطر انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون. المناقشات الجارية حول مخاطر كل من الطاقة النووية وانبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون بالغة الحساسية، حيث إن المناقشات الدائرة حول كل منهما تمتاز أيضا بخصوصية نوعية قوية، وبالتالي من المحتمل أن تتطور بطريقة مختلفة جدا في البلدان المختلفة.
مع ذلك، إن حادثة فوكوشيما ليست هي نهاية المطاف لصناعة الطاقة النووية، حيث إن العالم قد استثمر مئات المليارات من الدولارات في المفاعلات القائمة وفي تلك التي هي في قيد الإنشاء حاليا، كما أن الطاقة النووية هي حاليا مهمة جدا كمصدر لإمدادات الطاقة. لكن المخاوف المحيطة بالشلل الذي أصاب المفاعلات التي ضربها الزلزال في فوكوشيما قد يعكر النهضة النووية التي شهدها العالم بعد كارثة تشرنوبيل 1986، عليه فإن التوقعات السابقة للنهضة النووية للفترة 2011 - 2030 من المتوقع الآن أن تتأخر، وفي بعض البلدان من المحتمل أن تلغى بالكامل.
في المدى القصير، الطلب على الفحم من المرجح أن يتعزز، ليس فقط في الصين لكن أيضا في ألمانيا. أما على المدى الطويل، من المرجح أن يستفيد الغاز الطبيعي من أي تأخير أو إلغاء في بناء المحطات النووية الجديدة. من المتوقع أيضا زيادة الاهتمام بمصادر الطاقة المتجددة النظيفة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، خصوصا إذا ما تسبب خفض إمدادات الطاقة النووية في زيادة التكاليف الإجمالية للغاز الطبيعي. من المحتمل أن يلعب موضوع تحسين الكفاءة في استخدام الطاقة دورا أكبر في خفض وتيرة نمو الطلب على الطاقة حيثما أمكن ذلك. أخيرا، يمكن لحادثة فوكوشيما تقديم دفعة قوية للبحث في حلول بديلة للطاقة مثل الشبكات الذكية وتخزين الطاقة واحتجاز غاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه.