رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الكوارث تظهر عدداً من الملامح الجميلة للشعب الياباني

تعرضت اليابان لواحد من أقوى الزلازل في التاريخ، الذي تسبب في إحداث تسونامي (موج الميناء) بلغ ارتفاعه في بعض المناطق أكثر من 20 متراً. وزحف التسونامي لمسافات طويلة داخل اليابسة مغرقاً البشر ومدمراً المنازل والممتلكات والسيارات والمراكب والسفن. وتتعرض اليابان لزلازل بصفة مستمرة ولديها استعدادات جيدة للحد من الخسائر المادية والبشرية التي تسببها الزلازل. ومع هذا، فإن الزلزال تسبب في حدوث تسونامي فاق التوقعات وأدى إلى حدوث كارثة إنسانية ومادية هائلة. وفقدت اليابان عشرات الآلاف من الأشخاص وعانت خسائر مادية تقدر بمئات المليارات من الدولارات. ومع أن الخسائر من الكارثة التي حلت باليابان كانت هائلة ومدوية، إلا أنها أظهرت بعض الملامح والصفات الجميلة في الفرد والشعب الياباني. فقد احتفظ معظم اليابانيين بابتسامتهم المؤدبة حتى في خضم الكارثة المريعة، كما ساد الهدوء مختلف أنحاء اليابان. وبعد الكارثة بقليل دعا رئيس الوزراء الياباني شعبه إلى الوحدة والتماسك والتزام الهدوء. وكان تجاوب الشعب الياباني أكثر من رائع، حيث لم تحدث فوضى كما يحدث في معظم دول العالم التي تتعرض لكوارث طبيعية أو سياسية، بل ساد النظام والسلام في المناطق المنكوبة وفي كل اليابان. ومن المظاهر الجميلة بعد الكارثة احتفاظ اليابانيين برباطة الجأش، حيث لم يندفعوا إلى تخزين السلع كما يحدث عند حدوث كوارث طبيعية أو سياسية في كثير من دول العالم. وبدلاً من ذلك، اصطف الناس في انتظام منقطع النظير للحصول على كميات محدودة من الأطعمة ليتسنى للجميع الحصول على احتياجاتهم. وفي مشهد حضاري متميز، لم تشهد اليابان بعد الكارثة نزول آلاف الفوضويين والانتهازيين في المناطق المدمرة لممارسة عمليات السلب والنهب التي تفتك بالأسواق والمصارف وأجهزت الصرف الآلي في حالات الكوارث. وأفادت التقارير الإخبارية عن حركة تضامن كبيرة بين فئات الشعب المختلفة، حيث مالت المحال التجارية إلى خفض أسعار سلعها ومنح بعض ملاك آلات بيع المشروبات سلعهم للمتضررين في الأماكن المنكوبة. ولم ترد تقارير بعد الأزمة عن غضب أو احتجاجات قوية بعد الكارثة، ما يشير إلى تقبل الشعب ما حدث وتضامن الشعب مع الحكومة، وسيتم بالطبع مساءلة المقصرين، لكن بعد أن تمر الأزمة. وقد تسبب التسونامي في خلل خطير في بعض المفاعلات النووية المهددة بانصهار قلوبها، التي قد تفوق آثارها آثار الزلزال، ومع هذا نرى عددا كبيراً من المتطوعين يخاطرون بحياتهم من أجل وقف انصهار قلوب هذه المفاعلات.
ومع وجود أخطاء في بعض الاستعدادات الحكومية إلا أن الشعب كان مدرباً بدرجة كبيرة للتعامل مع الكارثة عكس ما يجري في الدول العربية، التي يستهتر الكثير من سكانها بضرورة تعلم أساسيات مواجهة الكوارث وإجراءات السلامة الواجب اتخاذها. فعندما تهطل الأمطار بقوة يتعمد الكثير من مواطنينا الذهاب إلى المناطق المهددة بالغرق أو الكوارث، بل يعيقون بتجمهرهم المكثف عمليات الإنقاذ. وأظهرت الكارثة التزام الشعب القوي بالنظام، حيث لم تظهر مظاهر الفوضى رغم تأخر القطارات ووسائل النقل. هذا وقامت السلطات الرسمية والإعلام بإعلام الشعب بدرجة عالية من الشفافية عن الكارثة وآثارها المدمرة ولم تحاول التهويل المبالغ فيه أو التهوين غير المسؤول بمستوى الكارثة.
وترتفع تساؤلات في كثير من دول العالم عن الأسباب التي جعلت اليابانيين يتصرفون عكس نظرائهم في معظم دول العالم، ويرجع البعض سر التصرفات الحضارية والمتزنة إلى تعود جميع فئات الشعب الياباني طول أعمارهم على الهدوء والأمانة والانضباط واللياقة والأدب، كما يلتزم اليابانيون بقوة وعمق مستمر بهذه المعايير الأخلاقية في أوقات السلم والحرب. ويثمن الشعب الياباني هذه المعايير ويرى أنها تقف وراء الرخاء والسلام الذي يعيش فيه. ويعتقد البعض أن كون اليابانيون شعبا محافظا منذ آلاف السنين ويقدس الاحترام المتبادل أسهم بقوة بالالتزام بهذه الأخلاقيات. ومن المؤسف أن كثيراً من المجتمعات بدأت تفقد احترام أعضائها لبعضهم البعض، كما تغلب على معظم أفرادها تحبيذ المصالح الذاتية على الأخلاقيات الجميلة التي تلتزم بها الشعوب المحافظة. ويعتبر اليابانيون الأمانة والشرف من أهم ممتلكات البشر، ولهذا يسعى الجميع إلى الحفاظ عليها حتى في وقت الكوارث. ولم تعان اليابان الفوضى، كما لم يظهر السكان اليأس، بل كانوا يتصرفون بهدوء واحترام ووقار. كما يتقبل اليابانيون مصيرهم بكل وقار وهدوء، والذي لا تظهره الكثير من الشعوب التي تتصرف بالصراخ والعويل والفوضى. ويلتزم الشعب الياباني النظام بشدة، فمن الصعب أن ترى أحداً يتجاوز الإشارة الحمراء، كما تعتبر مدن اليابان بما في ذلك طوكيو من المدن الآمنة عالميا. وتمتلك اليابان أفضل نظام للمفقودات في العالم فإذا فقدت شيئاَ في اليابان فهناك فرصة كبيرة في أن يعود إليك على عكس ما يحدث في معظم دول العالم.
ومع هذا الالتزام بالأخلاقيات والعمل الجاد والمضني فمن المتوقع أن تعود اليابان إلى وضعها السابق، بل قد تدفعها هذه الكارثة إلى تجديد الطفرة الاقتصادية من جديد. وكسب اليابانيون الكثير من الاحترام لأنهم واجهوا الأزمة بكل وقار، وسيتغلبون على آثارها بكل ثقة. ويرجع البعض تصرفات اليابانيين الحكيمة وقت الكوارث إلى خبراتهم الطويلة معها، حيث تعرضت اليابان إلى كوارث كثيرة في تاريخها، ما علم الناس الصبر منذ صغرهم وعودهم مواجهة الكوارث والتعامل معها بكل اقتدار. إن هناك إحساساً عاماً في اليابان بأن الفرد جزء من المجتمع وعليه خدمة المجتمع قدر المستطاع.
إن علينا كشعوب أن نتعلم الكثير من الشعب الياباني، فعند حدوث أي كارثة في بلداننا أو حتى إشاعة إمكانية حدوث كارثة ترى هرولة نحو الأسواق لشراء وتخزين أكبر كمية من الأغذية والمواد الضرورية، ما يؤدي إلى أزمات إضافية للكوارث التي نتعرض لها. وعند المصائب ــ لا سمح الله ــ نرى فوضى عارمة في الطرق والخدمات والأسواق، كما يبدي الكثير من أعضاء مجتمعاتنا عدم احترام لفئات المجتمع الأخرى. أما الإعلام لدينا فأداؤه سيئ وأمره عجيب، فجزء منه مثير للفتن ومبالغ في تهويل الأحداث، والجزء الآخر مستخف بالكوارث ومعتم على الحقائق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي