التمويل الإسلامي ومرحلة تأسيس الإطار العلمي الشامل
مر التمويل الإسلامي بمراحل متعددة، ورغم قصر عمره بشكله المعاصر إلا أنه نما بشكل يفوق التوقعات، ساعد على ذلك الطلب الكبير من كثير من المسلمين على المنتجات والخدمات الإسلامية، والتنوع في هذه الخدمات، وزيادة الثقة بكفاءة كثير من المؤسسات التي تقدم خدمات مالية إسلامية، إضافة إلى الأزمة المالية الأخيرة التي كان لها دور في مزيد من الاهتمام بهذا القطاع، الذي جعل أصول هذا القطاع ترتفع بنسب كبيرة في ظل ما يشهده العالم من كساد، وسعي الكثير من المؤسسات والشركات للحصول على سيولة، التي يجد كثير من البنوك والمؤسسات شحا كبيرا فيها، قد يؤدي إلى كساد عام في الاقتصاد، في حين أن ذلك لم يحصل في قطاع التمويل الإسلامي الذي تتزايد أصوله بشكل مستمر، ما دعا كثيرا من الدول الأوروبية وغيرها من دول العالم للانفتاح أكثر على التمويل الإسلامي، وبالتالي التغيير في بعض أنظمتها المالية لتستقطب المؤسسات المالية الإسلامية.
عندما نتحدث عن تاريخ للتمويل الإسلامي، فإن الأساس الشرعي للمعاملات المتوافقة مع الشريعة، التي تعامل بها مجموعة من المؤسسات المالية ليست جديدة، بل هي قديمة قدم التشريع الإسلامي الذي وضع الأطر الشرعية العامة لهذه المعاملات، ومع ذلك فإن الشكل المعاصر للمؤسسات المالية الإسلامية ظهر بشكل جزئي في مصر قبل ما يقارب 50 عاما، وتطورت هذه التجربة إلى أن أصبحت خدمات متكاملة في تجارب كانت أبرزها تجربة بنك دبي الإسلامي.
وأصبح نمو البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية يتم بشكل متسارع يفوق التوقعات، خصوصا أن التمويل الإسلامي أصبح يدخل ويتوسع في قطاعات جديدة مثل الصكوك الإسلامية، وأصبح هناك توسع في البنوك الاستثمارية التي تقدم خدمات متوافقة مع الشريعة، إضافة إلى العمل على إنشاء سوق مالية إسلامية.
هذا النمو والنجاح على مستوى الأصول والتوسع في الأدوات التمويلية والاستثمارية لم يجعل التمويل الإسلامي أمرا متفق عليه، يطمئن المراقب له، حيث ما زال النقاش قائما فيما يتعلق بانضباط هذه المعاملات، وعدم وجود ما يشوبها من أخطاء، وتوافقها فعليا مع الشريعة الإسلامية، فبعض الخبراء يرون أن التطبيقات الحالية يوجد فيها كثير من المخالفات الشرعية التي لا تجعل منها فعليا بديلا للنموذج التقليدي، وإن كانت نوعا أفضل حالا من الربا الصريح. يضاف إلى ذلك أن الذين كتبوا في الاقتصاد الإسلامي، وحاولوا أن يضعوا له إطارا نظريا، كان لهم طموح بأن يروا تطبيقات لهذا الإطار تحفز اقتصادات الدول الإسلامية على معالجة المعضلات الاقتصادية، مثل الفقر والبطالة والتنمية، لكن التطبيقات الحالية لا تأخذ في الاعتبار علاج هذه المشكلات، بل يرى البعض أنها مجرد محاولة تعديل لبعض أدوات التمويل التقليدي لتأخذ صبغة إسلامية دون أن يكون هناك تغيير حقيقي مؤثر.
ما سبق هو عبارة عن واقع لا يمكن أن نتجاهله أو ننكره، لكن هل هذه التطبيقات ليس لدى المؤسسات المالية رغبة في تغييرها؟
الحقيقة، أنه عند نقاش المتخصصين وأصحاب القرار في كثير من المؤسسات المالية الإسلامية تجد أنهم ينتقدون هذا الواقع ويتطلعون إلى تحول إلى الأفضل، لكن توجد قناعة لديهم بأن النظريات التي يتحدث عنها كثير من المفكرين والباحثين لا توجد لها أمثلة ممكنة التطبيق، أو أن الإطار النظري لها لم يتم وضعه في إطار قابل للتطبيق، يمكن قياس كفاءته المالية، بالأدوات التي يتم بها عادة قياس كفاءة هذه المنتجات والخدمات. وبناءً عليه هل نقول إن التمويل الإسلامي بالإطار الذي يحقق مبادئ الاقتصاد الإسلامي، لن يتجاوز كونه إطارا نظريا، وسيبقى كذلك إلى أن تكون له أمثلة تطبيقية.
وكي يصل التمويل الإسلامي بمنتجاته وخدماته إلى وضعه الصحيح، من المهم أن تتكامل فيه عناصر أساسية، إلى أن يصل إلى مرحلة التطبيق، فواقع الدراسات والبحوث في هذا المجال الناشئ، عبارة عن جهود في غالبها فردية، لا ترقى إلى عمل جماعي متكامل، تتكامل فيه العناصر الرئيسة لمثل هذا المشروع الكبير، الذي قد يواجه عوائق بسبب تجذر النظام الاقتصادي الرأسمالي، الذي تتبناه القوى الاقتصادية والسياسية العظمى في العالم اليوم. لذلك فإن الجهود الفردية التي لا تتوافر فيها العناصر الرئيسة المطلوبة في النظام المالي الإسلامي، الذي ينبغي أن تتوافر فيه تخصصات الشريعة، والاقتصاد، والمالية، والمحاسبة، والقانون المالي أو البنكي، ستبقى ناقصة، حيث ستركز على جانب واحد دون الآخر، بل قد تجد فيها ما يتناقض مع مبادئ العلم أو التخصص الآخر، فالنظرة الشرعية المجردة دون النظر إلى الإطار القانوني المالي العام في العالم، لن يمكن الباحث من إعداد هيكلة ممكنة التطبيق للمنتجات في البنوك؛ إذ إن البنوك اليوم ترتبط بشبكة وثيقة جدا؛ ولذلك تجد أنها تلتزم في غالبها بنظام متقارب نظرا لهذا الارتباط الكبير بينها.
لذلك ما زال النظام المالي الإسلامي يفتقر إلى العمل البحثي الجماعي، بل حتى في المجامع الفقهية والتجمعات العلمية رغم دورها الكبير والمؤثر، إلا أنها في الغالب يتم طرح البحوث بشكل فردي، دون أن يكون لها طابع العمل المشترك. ولذلك لا بد في المرحلة المقبلة إذا كانت هناك رغبة في الارتقاء بمستوى البحوث في مجال التمويل الإسلامي، وإعداد عمل بإطار نظري واضح وتطبيقي تتمكن المؤسسات المالية الإسلامية من تقديمه كمنتجات وخدمات، يبدأ بالعمل على تحقيق مبادئ الاقتصاد الإسلامي لينتهي إلى منتج جاهز للتطبيق، ويتضمن برنامجا متكاملا لتعريف الممارسين به والطريقة الصحيحة لتطبيقه.
الخلاصة هي أن التمويل الإسلامي بوضعه الحالي يحتاج إلى تأسيس إطار علمي متكامل وشامل لمبادئه وتطبيقاته بشكل يراعي التكامل في تخصصاته الرئيسة، من خلال عمل المتخصصين المشترك. حيث إننا نعلم اليوم أن البحوث العلمية الجيدة في العالم مبنية على عمل مشترك من أكثر من باحث في التخصص الواحد، فمن باب أولى موضوع مثل التمويل الإسلامي، حيث إنه بوضعه الحالي لا يمكن لتخصص واحد أن يضع له إطارا متكاملا.