النزول من الأبراج العاجيّة!
في عام 2011 أصدرت ويندي كوب كتابها الثاني "فرصة لصنع التاريخ"، لكن مَنْ ويندي وما التاريخ الذي صنعته؟
قدمت طالبة جامعة برينستون الأمريكية في عام 1989 مشروعها الختامي للتخرج على هيئة فكرة أصبحت اللبنة الأولى لكبرى المنظمات التعليمية "غير النفعية" في أمريكا اليوم Teach For America، هذه المنظمة باختصار تحمل رسالة هادفة تطمح إلى منح فرص متكافئة للمتعلمين مهما اختلفت مناطقهم وخلفياتهم الاقتصادية والاجتماعية.
تعمل على تسكين خريجي الجامعات الأمريكية العريقة وأصحاب الخبرات الجديدة والمتميزة في مدارس المدن والتجمعات الأقلّ حظاً في البلاد، ولمدة لا تزيد على عامين.
هذا التسكين لا يعني استبدال المعلمين الآخرين، كما تذكر الانتقادات التي أثيرت ضد المنظمة. هؤلاء المتطوعون يحصلون على فرص مماثلة للمتقدمين الآخرين على وظائف التعليم في المدارس، يخوضون تجربة المقابلة الشخصية للوظيفة ويخضعون للتقييم الذي يحصل عليه المعلم في مسيرته.
لم تكن ويندي وحيدة عندما بدأت هذا المشروع، جاءت بالفكرة وساهم المستثمرون وقادة أعمال أمريكيون ليبدأ العمل فيها عام 1990، وينضمّ إلى تلك المبادرة 500 خريج وخريجة في جامعات النخبة، ووصل الرقم في عام 2009 إلى 18 ألف خريج وخريجة.
كما وُلدت تحت جناحها منظمة أخرى "التعليم للجميع"، وهي منظمة دولية غير نفعية تأسست في عام 2007.
الأهداف التي تضعها المنظمة نصب عينيها هي المعالجة الفورية لمشكلات الفصول الدراسية في المناطق الفقيرة ومنح المتعلم تعليما نموذجياً بلا تكلفة هائلة.
وعلى المدى البعيد تمنح المتطوعين فيها خبرة عملية تضيف إلى زادهم العلمي، وعلى المدى الأبعد تمكّن الباحثين من الوصول إلى تربة خصبة لدراسة الأسباب التي أدت إلى ظهور الفجوة في التعليم من الأساس، وكيف يمكن ردمها.
أيضاً يحظى المتعلمون باكتشاف مواهبهم ومهاراتهم في فرص لن تتأتى لهم في مناطق مغمورة ومعزولة عن تطور صنع القادة والمشاريع المستقبلية.
لا يمكن لمشروع بهذه الضخامة الاستمرار بلا دعم مالي مجز، ولأجد إجابة عن هذا التساؤل اطلعت على التقرير السنوي الذي تعده المنظمه وتنشره على موقعها الإلكتروني، الذي أظهر بالتفاصيل والإحصاءات الدقيقة مساهمة كل القطاعات، ما بين الدعم الحكومي والمؤسساتي والخيري.
والدعم المثير للإعجاب حقاً هو ذلك المقدم من الأفراد، الذين بلغت نسبة ما يشاركون به 20 في المائة من إجمالي الدعم، وسرد التقرير لائحة باسماء العائلات المشاركة بين أسماء معلنة وأخرى تفضّل البقاء مجهولة! والتبرع الذي نتحدث عنه هنا يبدأ من 100 ألف دولار ولا يقف عند حدّ.
هذا الحسّ الإيجابي والشعور بالمسؤولية "مثير للغيرة" بحقّ، إنه لا يأتي إلا من إيمان هؤلاء بأن تحسين التعليم ومنح الفرص سيعود عليهم بالفائدة عاجلاً أو آجلاً!
وهذا ما ينبغي أن نشعر به نحنُ وندعمه في بلادنا، قبل أن نشتكي من السلبيات الحاصلة. يجب أن نفكر هل نحنُ مستعدون لدعم المبادرات التي ستصنع الفرق؟ هل سنشجعها؟ أم أننا سنكتفي بانتظار النتائج السريعة دون أدنى جهد؟!
في شباط (فبراير) الماضي احتفلت المنظمة بعيدها العشرين، في حفل مهيب في العاصمة الأمريكية واشنطن، بحضور عديد من الشخصيات المؤثرة الداعمة من قطاعات المجتمع كافة.
بعد مشروع Teach for America انطلقت مشاريع مشابهة حول العالم، منها على سبيل المثال لا الحصر: مبادرة "درّس ألمانيا أولاً"، التي بدأت عام 2009 بعد النجاح الكبير لمبادرة أمريكا. وغيرها في لاتفيا وأستونيا والصين والهند وتشيلي والبيرو وأستراليا.
شعار المنظمة يرددّ: "يوما ما .. سيحظى كلّ أطفال الأمة بفرصة الحصول على تعليم مميز".
يوما ما سنحظى بذلك!