رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


كيف استطاعت السويد معالجة الخلل الذي تعانيه دول الخليج العربية؟

قلنا سابقا إن العرب قبل الإسلام كانوا يقاربون ويقارنون ما لديهم بما لدى الآخرين. ورغم أميتهم وجهلهم رفض أغلبهم ترك أصنامهم وعباداتهم وعصبيتهم مع تواجد ديانتين سماويتين بين ظهرانيهم - اليهودية والمسيحية. كان للعرب عندئذ بعد نظر وحصافة وحكمة مما جعلهم يتشبثون بما لديهم لأنهم لم يروا أن ما يعرض عليهم - في مفهومهم الجاهلي عندئذ - أرقى مما عندهم.
أمام الوحي وقف العرب كثيرا. رأوا فيه آية تبز ما كانوا يتصورونه معجزة الدنيا - وهو لسانهم وشعرهم وبلاغتهم وسجعهم وحكمتهم. وقارنوا وقاربوا ودخلوا الدين الجديد أفواجا وفي أقل من جيل واحد انهارت على أيديهم أعظم قوتين عرفهما التاريخ حينه، الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية الفارسية. أقل من جيل لأن الذي أسلم وهم يسمع الوحي من فم الرسول كان شاهدا للتغير الذي حصل في مجرى التاريخ.
العرب اليوم ليس مطلوبا منهم تغيير مجرى التاريخ ودحر الإمبراطوريات (القوى العظمى). العرب مطلوب منهم تغيير أنفسهم وليس غيرهم. العرب مطلوب منهم تغيير مجتمعاتهم وتحديثها كي لا تكون على هامش الحضارة والتمدن والرقي. العرب مطلوب منهم أن يرتقوا بمجتمعاتهم إلى مصاف الدول المتحضرة وهم لقرآنهم ودينهم حافظون.
والسويد اليوم تتربع على قمة الرقي والتطور الذي وصلته الحضارة اليوم. هذه المكانة التي جعلت من المجتمع السويدي نموذجا تحاول الكثير من المجتمعات الاحتذاء به حدثت أولا على حساب المسيحية. اليوم يستهزئ أغلبية الشعب السويدي بالمفاهيم المسيحية ونبي المسيحية والطقوس المسيحية لأنها في رأيه – وهو مصيب في كثير من النواحي – كانت معرقلة لتطوره ليس في رقيه العلمي والاقتصادي بل في رقيه الإنساني أيضا. وسأتكلم عن هذا الأمر بإسهاب في رسالة الأسبوع المقبل. العرب الذين أتحدث إليهم في هذه الرسالة يجب أن ينهضوا وبسرعة وقبل فوات الأوان ولكن مسلك النهضة يجب أن يمنح الإسلام وتعاليمه السمحة مكانة أرقى وأفضل مما هي عليه الآن. الإسلام الذي أعرفه يمسك بيد الشعوب التي تريد النهضة والرقي والمساهمة الخلاقة في الحضارة الإنسانية. الإسلام الذي أعرفه لا مكان له في صفوف القاعدين والمنكمشين والمنبطحين والكسالى والفئويين والإقصائيين. الإسلام رسالة، رسالة حية تنهض القاعدين، مثلما جعلت من العرب المهمشين والمتخلفين في صدر الإسلام قوة هائلة أطاحت بإمبراطوريات وغيرت مجرى التاريخ.
سكان السويد الأصليون ثمانية ملايين. عدد السكان الكلي تسعة ملايين. المليون الإضافي يمثل عدد الأجانب في البلد. ومفهوم الأجانب في السويد يختلف عن مفهوم الأجانب في دول الخليج العربي وسآتي على ذلك في رسالة قادمة بعون الله. وأغلب الأجانب في السويد يمرون بفترة تجريبية، حيث تقوم الدولة بتدريبهم وتعليمهم كي يدخلوا سوق العمل وتمنحهم كل الامتيازات التي يحصل عليها المواطن السويدي ومن ضمنها جواز سفر وجنسية سويدية.
الملايين الثمانية من السويديين ومعهم مليون أجنبي ينتجون ما يبلغ بسعر الصرف الرسمي 444 مليار دولار في السنة. في السعودية، بلاد الحرمين، ينتج المواطنون السعوديون ومعهم ثمانية ملايين أجنبي بسعر الصرف الرسمي 434 مليار دولار في السنة. لو قاربنا إنتاجية الفرد وقارناها بين البلدين لرأينا خللا كبيرا وخطيرا جدا. سكان السعودية البالغ عددهم حوالي 28 مليون نسمة مع الأجانب يقل إنتاجهم عن ثمانية ملايين سويدي.
والمقاربة ستكشف لنا شروخا في الاقتصاد والبنية الاجتماعية إن لم تتم معالجتها ستؤدي إلى مشاكل قد تكون كارثية في المستقبل. الأرقام تعني أن ثمانية ملايين من السكان في السعودية منتجون، ولنقل هم الأجانب، والباقون قاعدون رغم التركيبة الاقتصادية المختلفة أساسا بين البلدين. الاقتصاد السعودي يعتمد بالدرجة الأولى على الموارد النفطية. الاقتصاد السويدي يعتمد بالدرجة الأولى على الصناعة والتنمية الهائلة التي تحصل الآن في الحلقات التكنولوجية الفائقة التطور ، ولا سيما في شؤون الطاقة البديلة والمحافظة على البيئة والإسكان والتعمير والاتصالات والمواصلات.
وتصبح الصورة دكناء لا بل مظلمة تماما لو طبقنا المفهوم الاقتصادي ذاته على دول خليجية أخرى. في دول مثل قطر والإمارات والكويت عدد الأجانب أكثر من عدد السكان الأصليين. في قطر والإمارات هناك نحو 90 أجنبيا مقابل كل عشرة أفراد من السكان الأصليين. هذا لا يؤدي إلى شرخ وخلل كبيرين في الاقتصاد فقط بل ربما إلى مآس في المستقبل تضرب النسيج الاجتماعي والديني والثقافي والتربوي وربما السياسي في الصميم.
وإلى اللقاء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي