قراءة في الموقف الإيراني من أحداث سورية
الأحداث الأخيرة في سورية عقّدت الموقف السياسي لإيران في المنطقة، إن لم تكن نذيراً لتغيُّر استراتيجي أبعد. يُقال في دراسات الثورات إن كل ثورة تمر بمرحلة "الصفاء والمثالية الثورية" إلى أن تصل تدريجياً إلى العمق القومي. فإيران الثورية وصلت أخيرا إلى الجوهر القومي، ولكن الفضاء الأيديولوجي لا يزال مصدر شرعية وإلهام وحماية للنظام. تطور الثورات يتحرك على سلم زمن يختلف عن المواقف السياسية والضغوط الناتجة عن الحاجة إلى خصومة أو تعاون مع دول معينة، حسب الظروف الموضوعية أو التقلبات الداخلية. عادة ما تنبع السياسة الخارجية للدول، وخاصة كلما كانت أكثر تأثيرا، من تجاذبات بين أطراف داخلية واستحقاقات ذات علاقة بالجبهة الداخلية.
استراتيجياً، مصدر الطموح الإيراني في المنطقة قومي في الجوهر، ولكنه راهن بدهاء على الانقسامات الفئوية في الدول العربية، خاصة لبنان وسورية ولاحقا العراق حتى اليمن والبحرين. تكتيكياً، أصبح النزاع العربي ــ الإسرائيلي هو الوسيلة الأمثل، خاصة أن البُعد الأيديولوجي الثوري في إيران تزامن مع الموقف السياسي الداعي للممانعة ومواجهة الاحتلال. تطابق الاستراتيجي مع التكتيكي جعل وكأن إيران حصينة استراتيجياً ومتمكنة سياسياً. في قلب هذا التوافق رغبة إيرانية في حيازة سلاح ذري لتغير موازين القوى نهائياً. تشأ ظروف التنازع السياسي في الدول العربية، خاصة سورية، أن تعيد إيران إلى الأدراج مرة أخرى. نبض التغيُّر في سورية لا يمكن أن يسر إيران.
هذا النبض قد يصيب الاستراتيجية والتكتيك الإيراني في مقتل، حيث إن سورية تشكل الجسر الأساسي للطموح الإيراني في المشرق العربي، فخسارتها ستصعّب مهمة حزب الله وتضعف "حماس"، وتزيد من عودة سورية إلى المحيط العربي مع مصر والسعودية، وقد تزيد من فرص التعاون بين تركيا وسورية على حساب التعاون مع إيران، الذي قد بدأ منذ عدة سنوات.
هذا النبض السوري أحرج إيران كثيرا، فالدعوة ضده تجعل إيران في حرج أيديولوجي، خاصة أن هناك بُعداً دينياً ضد حكومة تنادي بالقومية كشعار، ولكن إيران الطائفية واعية للبُعد الطائفي في تركيبة سورية السياسية. في ظل هذا التناقض لن تقف إيران مع المثالية الثورية على حساب السياسة العملية، ولذلك تجدها تقول بالمؤامرة ضد سورية الصمود، بينما تنادي بمشروعية الثورة في كل دولة ليست في المدار الإيراني. هذا الرياء السياسي يستهلك إيران معنويا ويضعفها سياسيا. لن تكون سياسة سورية الخارجية، كما كانت، في حين تغيّر الاصطفاف الداخلي في سورية، ولذلك تجد إيران نفسها في موقف ضعيف، وبالتالي يزيد حرصها على البحرين والعراق واليمن. هذا الاصطفاف الجديد سيترك سورية بين علاقة وثيقة مع تركيا وقريبة من محيطها العربي، وهذا لن يجعل إيران في مركز مريح.