لماذا نكتب مقالاً؟
ربما حان الوقت لمنح هذا التساؤل مساحة خارج رأسي!
لماذا أكتب مقالاً؟ لماذا أختار موضوعاً بعينه؟ وكيف ينتهي من شرارة صغيرة لعدة أسطر، وهذا بالضرورة يعيدني لفعل لا ينفكّ من صحبة الكتابة وهو «القراءة» سأحرف مسار التفكير باتجاهه وسأقول «لماذا تقرأ مقالاً؟».
حملت هذا التساؤل لعدد من الأشخاص حولي ووجدت أن الإجابة الطاغية «البحث عن معلومة»، وهذا يؤكد حدسي الأوليّ الذي أتبعه عندما أبدأ في التحضير لكتابة مقال، معلومة يعبر بها القارئ مصادفة، بها من الجدة ما يثير اهتمامه، ويفتح لذهنه باباً لمزيد من البحث.
أكتب عما يدهشني أنا، لأنني أعلم مدى سرعة انتقال المعرفة في عصرنا هذا، وأنني وإن جهدت في مجاراة ركب المعرفة سأتأخر عمن يسبقني ولو بخطوة وحيدة!
نقرأ المقال لأنه أسرع وصولا إلينا من الكتاب والبحث والخبر أحياناً، نقرأه لأن كاتبه حاول أن يثني أطرافه الممتدة ويجمعه في كبسولة صغيرة نلتهمها على عجل.
أكتب مقالاً في سبيل الوصول لمعرفة جديدة، يُقرأ مقالي ويعود عليّ بتعليق، بردة فعل أو بمدخل جديد للمشكلة ذاتها أو الفكرة.
كتابة المقال ليست طريقا بمدخل ومخرج وحيد، المسافة بين الكاتب والقارئ تأخذ منعطفات ومخارج، وفيها كلها الكثير من الفائدة والمعرفة.
أكتب ويلزمني الكثير من الحياد أحياناً، ليس من أجل البحث عن مساحة هادئة بعيداً عن الجدل، بل لمنح القارئ الفرصة لتحديد تصوره هو عما يكتب، هذه المعلومة أمامك بلا تجميل ومن ثمّ تتفاعل مع مكتسباتك الثقافية ورؤاك السابقة.
وقد أكون - وهذا التناقض الذي أخشاه - دكتاتورية أحياناً عندما أتحدث عن التفاصيل التي انحاز إليها بلا تردد، كالاختيارات الأدبية المفضلة، والعلوم التي تصبّ في مجال معرفتي التخصصية، وقد أذهب لأبعد من الحديث البسيط إلى إقحام مصطلحات تعقد الأمر ولا سبيل لتفاديها، لكنه هو الحرص الذي يأتي من الحياد الذي تكلمت عنه آنفاً، أنقل المعرفة كما هي مهما بدت صعبة أو غير قابلة للاستيعاب أحياناً إلا أنها ستحرك بداخل القارئ الفضول لمعرفة معناها ومن أين تأتي.
وهذا ينقلني لفكرة أكثر أهمية أننا نكتب المقال ليس بسبب كوننا متخصصين في المجال بل بسبب اهتمامنا بأزمة عابرة أو مشكلة تبحث عن حلّ، نطرح اقتراحاً أو نعجز عن ذلك عندما لا تتضح الرؤية، ويكون المقال بمثابة لافتة قد يمر بها المسؤول ويملك المخرج الملائم لها. والتجارب الكتابية على مرّ العصور تثبت هذه النظرية، فكم من قضية أدى طرحها في مقال إلى التوصل إلى حلّ لها وفي وقت يسير.
عندما يضع الكاتب المقالة بين يدي القارئ فهو ينتظر منه الكثير، ليس القراءة فحسب، بل التفكير والبحث والربط، وربما إفادة الآخرين بإرشادهم لقراءة مقال قد يحمل إجابة لسؤال لديهم.
المعرفة التشاركية هذه ترشدنا للإجابة عن سؤال «لماذا تكتب مقالاً؟» نكتب ليتعلم الآخرون، نكتب لأن الفكرة عندما تبقى حبيسة أذهاننا لا تكبر، لا تنضج، ولا تثمر!