مختصون: البنوك تتجه لتقديم تسهيلات للقروض العقارية لسد الفجوة بين الأسعار ودخل المواطن
أكد لـ «الاقتصادية» مختصون في مجال التمويل احتياج السوق العقارية السعودية إلى 1.65 مليون وحدة سكنية جديدة بحلول عام 2015، لتلبية الطلب المحلي المتزايد على الوحدات السكنية بسبب نمو شريحة الشباب وانخفاض متوسط حجم الأسرة السعودية مع استمرار النقص في معروض الوحدات السكنية.
وأضاف المختصون أن قانون الرهن العقاري قد يُحفّز نمو السوق العقارية في المدى المتوسط، لكنّ التحدي المتمثّل في تعزيز قدرة المواطنين على شراء مساكن سيظل قائماً بسبب عدم تناسب أسعار العقارات الحالية، مع مداخيل معظم المواطنين، مشيرين إلى أن البنوك لديها القدرة على توفير دعم أكبر في توفير الوحدات السكنية عن طريق توفير السيولة الكافية للحصول على المنتج المطلوب.
ويؤكد تركي عبد العزيز الحقيل المدير الأعلى للقسم الاقتصادي في البنك الفرنسي، أن السوق العقارية السعودية ما زالت تعاني ضغوط النقص في معروض الوحدات السكنية والطلب المتزايد عليها، ما جعل أسعارها بعيدة عن متناول غالبية الشباب السعودي، ونظراً إلى المنحنى التصاعدي لأسعار الأراضي والمساكن، بات من الملحّ بناء وحدات سكنية جديدة في أشدّ مناطق المملكة حاجةً إليها مع تسهيل امتلاكها على ذوي الدخل المحدود والمتوسّط.
وتعمل الحكومة السعودية على جبهات عدّة لمعالجة النقص في معروض المساكن؛ فقبل شهرين، خصصت 55 مليار ريال سعودي (14.7 مليار دولار) لدعم البرامج التي تساعد المواطنين ذوي الدخل المحدود عن طريق صندوق التنمية العقارية في بناء وشراء مساكن، كما أصدر الملك عبد الله أوامر ملكية بتخصيص 250 مليار ريال للهيئة العامة للإسكان سابقا التي تحولت إلى وزارة الإسكان لتمويل وبناء 500 ألف وحدة سكنية جديدة.
الرهن العقاري
ويشير المدير الأعلى للقسم الاقتصادي في البنك الفرنسي إلى أن هناك مؤشرات عديدة توحي بأنّ الدولة السعودية تبذل جهوداً مكثّفة لتسريع عملية تمرير قانون الرهن العقاري الجديد الذي طال انتظاره، والقادر من خلال تحديد حقوق المقترضين والمقرضين، على تشجيع البنوك مع مرور الوقت على قبول المزيد من المخاطر المرتبطة بإقراض عملائها، ما يبشّر بتعزيز القدرة التمويلية للمستهلك السعودي في المدى المتوسط، أما في المدى القصير، فإنّ سيناريو سوق العقارات السكنية سيظلّ معقّداً، الأمر الذي قد يحول دون تعزيز قدرة الشباب السعودي على بناء وشراء مساكن، مع أنّ قانون الرهن العقاري المرتقب قد يُحفّز نمو السوق العقارية السعودية، ففي ظل أسعار المساكن ومستويات الأجور والرواتب الحالية، أصبح شراء مسكن بعيداً عن متناول الكثير من المواطنين، لا سيما ذوي الدخل المحدود والمتوسط والعاملين في القطاعيْن العامّ والخاصّ، على حدّ سواء، موضحا أنه وطبقاً لتقديراتنا، ستحتاج شركات البناء العامة والخاصة معاً إلى بناء نحو 275 ألف وحدة سكنية سنوياً حتى عام 2015، أيْ ما مجموعه 1.65 مليون مسكن خلال هذه السنوات الستّ، لكي تتمكن من تلبية الطلب المحلي على المساكن الذي تضاعف منذ عام 1988، ونما بأكثر من2 في المائة سنويا، وتُعد سوق العقارات السعودية فريدة من نوعها في منطقة الخليج بسبب النقص في معروض الوحدات السكنية فيها مع العلم أن أسعار المساكن والأراضي ارتفعت بوتيرة متسارعة خلال عام 2010.
وبين الحقيل أن تحقيق الأهداف المتعلقة بأعداد الوحدات السكنية الجديدة يُعدّ عنصراً حاسماً للحد من ارتفاع أسعار العقارات السكنية خلال السنوات القادمة، ومن المتوقع أن يتحمّل القطاع الخاصّ أعباء تحقيق هذه الأهداف، فطبقاً للخطة التاسعة، ستبني شركات القطاع الخاصّ معظم الوحدات السكنية الجديدة، بما في ذلك 61 في المائة من الوحدات الجديدة التي ستُبنى في العاصمة الرياض، و 62في المائة من الوحدات الجديدة التي ستُبنى في منطقة مكة المكرّمة.
تضافر الجهود
وأشار الحقيل إلى أن الخطة الخمسية الرسمية التاسعة تتبنى مجموعة من الأهداف تتمثل في أنْ تبني وزارة الإسكان 66 ألف وحدة سكنية أنْ يُموّل صندوق التنمية العقارية بناء 109 آلاف وحدة سكنية عبر تقديم 90 ألف قرض، وأن تبني المؤسسات العامة المعنية 50 ألف وحدة لموظفيها وأنْ يموّل ويبني القطاع الخاصّ 775 ألف وحدة سكنية وتخصيص نحو 266 مليون متر مربع من الأراضي لتنفيذ مشروعات سكنية.
ويضيف الحقيل ينبغي للوحدات السكنية الجديدة أنْ تكون رخيصة وكبيرة نسبياً وأكثر راحةً، ففي عام 2004، اتضح أنّ عدد الأفراد الذين يشغلون غرفة واحدة كان أعلى من المعدّل الوسطي الوطني بالنسبة لنحو 56 في المائة من الأسَر السعودية، ما يعني أنّ غرف نومهم كانت مكتظة أكثر مما ينبغي. لذا، ينبغي التركيز على توفير فيلات ودبلوكسات رخيصة وتشتمل على غرفتيّ نوم أو ثلاث. وأظهرت إحدى الدراسات السكانية التي أُجريت في عام 2007، أنّ ثلث السعوديين فقط يعيش في شقق وأنّ ثلث هؤلاء فقط يمتلك الشقق التي يقطنها، بينما بلغت نسبة تملّك الفيلات 85 في المائة والبيوت التقليدية 79 في المائة، وفي جدة حيث أسعار العقارات السكنية هي الأعلى في البلاد، أصبح شراء مسكن بعيداً عن متناول معظم المواطنين، حيث تبلغ نسبة مالكي الوحدات السكنية في مدينة جدّة حالياً 41 في المائة فقط، بينما تبلغ نسبة المستأجرين فيها 52 في المائة طبقاً لبيانات المرصد الحضري لمحافظة جدة.
وأكد الحقيل أن تشجيع القطاع الخاصّ على تمويل مشروعات سكنية ضخمة يتطلب إطاراً قانونياً أكثر فاعلية ودعماً لهذا القطاع في مجال البناء، وقد بدأت المملكة للمرة الأولى في تاريخها بمنح بعض شركات البناء رُخصاً لبيع عقارات قيد الإنجاز (على الخريطة). وأثارت مبيعات العقارات على الورق في العقد الماضي موجة من المضاربات وفقاعةً عقارية في عدد من المدن الخليجية، خصوصاً دبي التي تلقّت سوقها العقارية ضربة قوية.
الائتمان العقاري
تستطيع البنوك أيضاً أن تلعب دورا أكبر في دعم عملية توفير الوحدات السكنية الجديدة المطلوبة بشدّة، فحتى الربع الثالث من عام 2010، مثل الائتمان العقاري المصرفي 6.7 في المائة فقط من إجمالي النشاط الائتماني للبنوك السعودية، وهذه أدنى نسبة من نوعها في منطقة الخليج، إذ يمثّل الائتمان العقاري نحو ثلث الائتمان المصرفي الكليّ في كلّ من الإمارات والكويت والبحرين. لذا، تستطيع البنوك السعودية زيادة حجم ائتمانها العقاري بشكل كبير، لأنّ احتمالات انكشافها المفرط على السوق العقارية المحلية معدومة عملياً.
ويشير الحقيل إلى أن البنوك السعودية تتمتع بسيولة وفيرة، حيث زادت صافي أصولها الخارجية بأكثر من 100 في المائة خلال السنتين الماضيتين، لكن حجم ائتمانها العقاري ما زال دون المستوى المطلوب كما أنّ معدلات نموّه ما زالت ضعيفة، فحتى الربع الثالث من عام 2010، مثلت قروض الإسكان المصرفية 2.8 في المائة فقط من إجمالي القروض التي قدمتها البنوك السعودية خلال تلك الفترة، أما حجم قروض الإسكان المصرفية التي بلغت 22 مليار ريال سعودي في الربع الثالث من العام الماضي، فقد مثلت زيادة كبيرة قدرها 42.2 في المائة من مستواه في الربع الأول من عام 2009.
وبالمقارنة بالمستويات الإقليمية والعالمية، يُمكن القول إنّ حجم الائتمان العقاري السعودي صغير جداً. وفي عام 2009 بلغت نسبة الائتمان العقاري إلى إجمالي الناتج المحلي في المملكة 6.8 في المائة، وكانت حينذاك أقل من النسب التي سجّلتها الإمارات 15.5 وماليزيا أكثر من 30 في المائة والعديد من الدول الأوروبية، وكذلك المملكة المتّحدة 87.6 في المائة والولايات المتّحدة 81.4 في المائة، وإذا أسقطنا عائدات النفط من إجمالي الناتج المحلي السعودي، فإنّ نسبة الائتمان العقاري إلى إجمالي الناتج المحلي تصبح 13في المائة أيْ أكثر انسجاماً مع المستويات السائدة في منطقة الخليج.
وقد يُمثّل توسيع نطاق التمويل إلى عمليات شراء الوحدات السكنية إجراءً حاسماً لإصلاح سوق العقارات السكنية، خصوصاً أنّ شريحة الشباب السعودي كبيرة وفي نمو مطّرد، ففي عام 2009، مثل الشباب الذين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً 66 في المائة من سكان المملكة، وتشتمل هذه الشريحة على أعداد كبيرة من المشترين المحتملين الجدُد الذين سيسعون على الأرجح، للحصول على قروض سكنية من البنوك ومؤسسات الائتمان الأخرى لشراء أول مساكنهم في العقد القادم.
#2#
من جانبه، أوضح طلعت حافظ مستشار اقتصادي أن حزمة الأوامر الملكية التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين ستحدث نقلة نوعية غير مسبوقة في حياة المواطن السعودي، لكونها ركزت على علاج عدد كبير من القضايا والمشكلات الاقتصادية والتنموية، التي ظلت ملفاتها عالقة لفترة طويلة من الزمن، وتسببت في حدوث اختلالات تنموية كبيرة في المملكة، ألقت بظلالها على الاقتصاد السعودي.
ومن بين أبرز وأهم القضايا العديدة، التي ركزت عليها القرارات الملكية، علاجها وإيجاد الحلول المناسبة لها، مشكلة الإسكان التي تسببت في حدوث فجوة إسكانية كبيرة بين المواطنين القادرين على امتلاك المساكن، والآخرين العاجزين عن ذلك، وبالذات في ظل تنامي الطلب المطرد على الإسكان والمساكن في المملكة، حيث توقعت دراسة في هذا المجال، أن يصل حجم الطلب على المساكن الجديدة في المملكة خلال الـ 20 عاما المقبلة للفترة من 2005 حتى 2025 إلى 2.9 مليون وحدة سكنية، بمعدل نمو سنوي يبلغ في المتوسط نحو 145 ألف وحدة، كما قدرت الدراسة نفسها أن أعداد المساكن التي تجب إعادة بنائها خلال الفترة نفسها بنحو 1.1 مليون وحدة سكنية.
ويشير حافظ إلى أن أمر الملك عبد الله ببناء 500 ألف وحدة سكنية في جميع مناطق المملكة وتخصيص مبلغ 250 مليار ريال لتمويل هذا المشروع الإسكاني الضخم، إضافة إلى رفع الحد الأعلى لقرض صندوق التنمية العقاري من 300إلى 500 ألف ريال، سيسهم وبشكل كبير في حل مشكلة الإسكان في المملكة، كما أن ذلك سيخفف عن كاهل عدد كبير من الأسر السعودية الأعباء المالية المترتبة على تكلفة الإيجار، التي تستحوذ على نحو 30 في المائة من رواتب السعوديين، إذا ما علمنا أن 60 في المائة من السعوديين لا يملكون مساكن خاصة بهم، كما أن أمر الملك الذي صدر في وقت سابق بدعم زيادة رأسمال صندوق التنمية العقاري بمبلغ 40 مليار ريال، سيمكّن البنك من منح 80 ألف مقترض بيسر وسهولة بعد رفع قيمة الحد الأعلى لقيمة القرض إلى مبلغ 500 ألف ريال، ما سيساعد على التوسع في بناء المساكن والتخفيف من حدة مشكلة الإسكان في المملكة.