رسائل من المراجعين على القوائم المالية للربع الأول 2011 «1»
منذ عام تقريبا كتبت عن تقرير المراجع، واخترت عنوان المقال «قف واقرأ تقرير المراجع قبل أن تتخذ قرارك»، وقبلها بأكثر من سنة وصفت المراجعة بمهنة تعليق الأجراس. المراجع يحمل مسؤولية تتعاظم من فترة إلى فترة، وأصبح اليوم مسؤولا عن الأخطاء الجوهرية في القوائم المالية وعن الغش الذي قد يتسبب في تضليل الملاك ومتخذي القرار، ولن يفلت من مخاطر تلك المسؤولية إلا أن يقوم بأعمال المراجعة بدقة وصرامة. وفي الفترة الحرجة التي يمر بها العالم، فترة الأزمات الاقتصادية والسياسية، فإن الكثير من الشركات أصبح عرضة أكثر من أي وقت مضى لخسارة الأنشطة والمنافذ الاستراتيجية، ولتجنب انهيار سعر السهم وضياع حقوق كبار الملاك المؤثرين في مجلس الإدارة، فإن إدارة الشركة قد تتورط في عمليات التلاعب بالقوائم المالية ورقم الدخل. لست متفائلا بشأن أوضاع الكثير من الشركات السعودية المدرجة في السوق المالية، ورغم المطالب الكثيرة والمتكررة بتصحيح أوضاع السوق، وجعل الاستثمار فيه أكثر أمانا من خلال صناعة سوق أخرى تتضمن الشركات التي حققت أعلى معايير أداء وأوفت بشروط أكثر صرامة، إلا أن الوضع لم يتغير وكأننا بانتظار انهيار كبير وخطير ومفاجئ لإحدى الشركات حتى نتنبه لخطورة الوضع. حتى ذلك الحين من تصحيح أوضاع السوق الذي آمل أن يكون قريبا، فإن كل ما ننصح به المستثمرين هو البعد عن المجازفات والاعتماد أكثر على التحليل الأساسي عند اتخاذ قرارات الدخول للسوق. ومن بين تلك المؤشرات العديدة التي يمكن النظر إليها، هو تقرير المراجع، خاصة ذلك الذي يغطي التقارير المالية ربع السنوية. وفي هذا المقال سألفت نظر القارئ الكريم إلى رقم مهم في تقرير المراجع، رقم قلما يتابعه البعض، بل قد لا يُلقى له بالا رغم المعلومات الكثيرة المختزنة فيه. إنه التاريخ الذي يظهر في تقرير المراجع، الذي نطلق عليه تاريخ انتهاء أعمال الفحص الميداني.
إذا نظرت إلى القوائم الربعية التي صدرت أخيرا من عدد من الشركات، تجد أن تاريخ القوائم المالية هو 31 مارس، بينما تاريخ تقرير المراجعة يأتي بعد ذلك بفترة تطول وتقصر. عند البعض يأتي هذا التاريخ بعد تاريخ القوائم المالية بأيام تعد على أصابع اليد الواحدة (أربعة أيام في بعض الحالات وهي أقل مدة تم تسجيلها في السوق السعودية)، وفي البعض الآخر قد تطول حتى تصل إلى أشهر، والسؤال الآن، الذي طالما سأله الكثير من الباحثين، لماذا تطول وتقصر هذه المدة بهذا الشكل؟ هل هناك رسالة ومعلومة معينة يتضمنها ذلك التاريخ؟ من خلال تتبعي لعدد من الشركات التي أعلنت قوائمها المالية عن الربع الأول 2011 (47 شركة) يظهر أن متوسط عدد الأيام لانتهاء أعمال الفحص الميداني بعد تاريخ إعداد القوائم المالية كان 12 يوما. في بعض الشركات لم يستغرق الأمر سوى خمسة أيام، وهي أقل مدة تم تسجيلها في هذا الربع، والبعض الآخر وصل حتى 20 يوما (ما زال هناك عدد من الشركات لم تعلن قوائمها حتى الآن) .. فما الملاحظات الرئيسية؟
من الملاحظ أن معظم هذه الشركات تمت مراجعتها من مكاتب اتسمت بسمعة جيدة وخبرات كبيرة، ورغم تركيز الشركات التي أعلنت حتى الآن في يد ما يسمى المكاتب الأربعة الكبار (كبار بعدد العملاء وحجم الأعمال وليس بالضرورة في الأداء)، إلا أن عددا من الشركات قد تمت مراجعتها بأسماء مكاتب وطنية، لكن الملاحظ أيضا أنها أسماء تتمتع بخبرة وسمعة جيدة، فإنجاز أعمال المراجعة في الوقت المناسب دائما مرتبط بالمراجع الخبير ذي السمعة الجيدة، لذلك على المراجعين الصغار العمل على رفع مستويات الأداء في إنجاز الأعمال إذا رغبوا في البقاء والمنافسة، وهذا قد لا يتحقق إذا لم تتوافر لهم الخبرات والقدرات الكافية، ومن الضروري التفكير في الاندماج إذا لزم الأمر.
لكن القضية ليست مقصورة على الخبرة والإمكانات فقط، بل أيضا ـــ وهذا هو مربط الفرس ـــ على الوضع المالي للشركة والخلافات مع المراجع حول الرأي الذي سيكتبه. من الملاحظ أن معظم هذه الشركات (47 شركة) حققت أرباحا، ولديها أداء جيد في الغالب وليس لديها مخالفات للمعايير والأنظمة ذات العلاقة (هناك شركتان فقط لديهما لفت انتباه، إحداهما حققت خسائر وعدد الأيام 16 يوما)، وهذا يدل أن أداء الشركة وانضباط إدارتها يساعدان المراجع على أداء عمله في الوقت المناسب، والعكس بالعكس، فالشركات التي يظهر تقريرها أسرع من غيرها (وفقا لضوابط أخرى مهمة ومنها سمعة المراجع)، فإن ذلك يعد مؤشرا على الأداء الجيد للإدارة، وإذا صاحب ذلك أداء جيد لنتائج الشركة فإن الاستثمار فيها يعتبر أقل خطورة من غيرها. والعكس فإذا تأخر تقرير المراجع قد يكون عادة مصحوبا بتحفظات ولفت للانتباه وخلافات مع إدارة الشركة، وإذا صاحبت ذلك نتائج أعمال غير جيدة فإن المخاطر تتزايد هنا وننصح بعدم الاستثمار فيها، أو على الأقل توخي الحذر.
تلك القاعدة عامة ومع ذلك قد يتأخر تقرير المراجع نظرا لوجود معلومات جوهرية قادمة والمراجع يريد أن يطمئن قبل نشرها، لذلك يجب تتبع أخبار الشركات ذات العوائد التي تتأخر بشكل لافت عما سبق واعتادته. يبقى عامل أخير مهم وهو حجم وتعقد أعمال الشركة، وليس المقصود حجم الأصول، بل تنوع الأنشطة ومخاطرها، فلدى بعض الشركات أصول ضخمة، لكن الأعمال مركزة في نشاط واحد واضح ومفهوم، لذلك يسهل على المراجع إصدار تقريره، وفي البعض الآخر مخاطر أكبر كما في القطاع البنكي وتنوع في الأنشطة، لذلك يتأخر تقرير مثل هذه الشركات كأمر طبيعي.
كنت قد أشرت في مقال سابق إلى أن السوق السعودية تعج بعدد كبير من الشركات الخاسرة التي تتراكم خسائرها من عام إلى عام ويظهر تقرير المراجع متحفظا أو يتضمن لفتا للانتباه، ومن الملاحظ حتى إعداد هذا المقال تأخر هذه الشركات في إصدار تقاريرها الربعية، فالتأخر هنا ليس له علاقة بحجم الأعمال وتنوع النشاط، بل هو مؤشر إلى الخلافات بين المراجع وإدارات هذه الشركات أو تعرض المراجعين لضغوط معينة، ليس هذا بالضرورة، لكن من المهم دراسة وضع هذه الشركات التي تتأخر وقراءة تقرير المراجع وفهم تعليقاته قبل خوض مغامرة الاستثمار في هذه الشركات، ولعل هذا ما يؤكد النصيحة بأن هذه الشركات خطيرة على السوق المالية السعودية في المدى الطويل وستعرض الفكر الاستثماري لدينا لخلل يصعب تصحيحه، والله أعلم.