رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


حتى لا ننام تحت ضوء القمر بينما العائلة في السيارة

من قاده حظه العاثر (وطبعا دون استعداد مسبق وحجوزات) ليأخذ أسرته في جولة سياحية إلى المنطقة الشرقية، سيصدم حتما بلافتة مطبوعة في كل مدخل لمجمع سكني أو شقق مفروشة حتى الفنادق (لا توجد أماكن خالية)، سيبحث عنها في كل مكان وسيسأل موج البحر وفيروز الشطآن وسيقرر بعد مضي الليل أن ينام على ضوء القمر بينما على الأسرة الكريمة تجربة النوم في السيارة. أقول إذا ذهبت لإحدى هذه السيارات اللاهثة وراء السكن وأخبرتهم بوجود شقة صغيرة لكنها مكلفة (ألف ريال يوميا) هل سيعتبرون ذلك استغلالا أم نجدة؟ والذين قرروا التمتع بربيع الرياض وجاءوا من مختلف مناطق المملكة ثم لم يجدوا شقة سكنية مناسبة، بينما السيارات تحمل أرتالا بشرية من النساء والأطفال؛ فإنهم حتما على استعداد للدفع مهما بلغ السعر في مقابل الحصول على سكن للنوم وعفا الله عن الربيع وترفيهه.
والآن لنتخيل فقط أن نصف الشقق المتاحة في الشرقية والرياض تم إغلاقها بحجة أنها غير مصنفة, هل هذا سيسعد المواطنين في السنة القادمة؟ ومن الذي عوقب حقا.. هل هم أصحاب الشقق المفروشة أم المجتمع أم الربيع؟
الجميع معترف بأن لدينا مشكلة ثقافية في السياحة، فنحن نفاجأ كل عام بأسبوع الإجازة المدرسية، وخلال نصف ساعة نقرر السفر ثم نحمل الحقائب إلى السيارة ونسافر هكذا ببساطة، ثم نفاجأ كل عام بالأسعار وبعدم وجود سكن. حتى أولئك الذين يتمتعون بحس سياحي ويريدون ترتيب الحجوزات، سيقوم أحدهم بالاتصال بالشقق المفروشة، لكنه لن يجد مصدرا مناسبا ومفصلا، وإذا وجد واتصل لطلب الحجز بالفيزا، سيقولون ما نفقه كثيرا مما تقول (تعال ''يا خوي'' عندنا وادفع)، ستبقى الشقق لأولئك المحظوظين الذين لديهم أقارب قادرون على دفع قيمة الحجز مقدما, ولعل صاحب الشقق لا يغير السعر. لذلك نشتكي من الأسعار والاستغلال ويحق لنا ذاك ونطالب بالرقابة, وهذا ما حدث عندما قامت هيئة السياحة بجولات في مدينة الرياض وكشفت عن عدد كبير من الوحدات السكنية المفروشة التي رفعت الأسعار بنسبة 150 في المائة، أو أنها تزاول النشاط دون ترخيص من الهيئة، أو الأمرين معا (حشف وسوء كيله). لكن ماذا عسى أن تقوم به الهيئة مقابل ذلك؟ يقول الخبر الصحافي إن الهيئة فرضت على المنشآت المخالفة غرامات مالية متفاوتة، كما عملت على تصحيح تسعيرة فواتير النزلاء المتضررين من ارتفاع الأسعار بإبرام عقود جديدة وفقا للتسعيرة الرسمية المسموح بها البالغة 50 في المائة للوحدات السكنية المفروشة, و30 في المائة للفنادق خلال فترات المواسم. والسؤال الذي سيطرح نفسه كم عدد العقود التي تم تصحيحها؟ ولمدة كم يوم؟ وأولئك الذين دفعوا ورحلوا من سيعوضهم؟ لست أقلل من جهد هيئة السياحة لكن هذا الإجراء (وحده) لن يحل المشكلة.
بلا شك عندي أن الجهد الذي قامت به الهيئة العامة للسياحة والآثار في إنشاء وبدء تطبيق التصنيف السياحي، عمل متميز وجهد كبير, وهو في الوقت نفسه ضرورة ملحة رغم عدم تفاؤل المجتمع نحو إمكانية تطبيق الفكرة واحتمالات النجاح الضعيفة. فمشكلة ارتفاع أسعار الفنادق والشقق المفروشة من الصعب حلها بمجرد الإعلان عن تصنيف أو حتى رقم مجاني للاتصال، وحتى في ظل الغرامات، فإن المشكلة أعمق, وفي نظري, أنها تحتاج إلى أكثر، تحتاج إلى تأهيل ومساعدة للتأهيل، ومشاركة وتسهيلات بنكية حقيقية، فما تقوم به هيئة السياحة اليوم يشبه حلول هيئة السوق المالية، غرامات على المخالفين بعدما حققوا ثروات طائلة، ماذا تعني غرامة مليون أو اثنين لمن حقق مليارات؟ هناك من يعتبر الغرامات جزءا من التكاليف الضرورية التي لا يمكن تجنبها أو لا يريد تجنبها طالما هو يحقق أرباحا تعوضه عنها. كذلك في قطاع السياحة، ماذا تعني غرامة قد تعادل ربح غرفة واحدة في يوم أو يومين بينما يعج المبنى بالغرف والشقق المملوءة بالسكان الذين يرون الدفع مهما غلا أفضل من النوم في العراء؟ حتى لو اتخذت الهيئة قرارات قاسية بإغلاق الشقق ومنعها من العمل، فإن ما سيحصل هو الأسوأ، فعدد المعروض من الشقق سيقل بشكل جوهري وقد تحصل صدمة عرض، وتنهار السياحة ككل أو تخرج الأسعار من السيطرة، وقد يفشل مشروع التصنيف بكامله تحت وطأة الضغط الإعلامي.
يجب حل القضية اقتصاديا، يجب زيادة عدد المعروض (لدعم السياحة) والتفكير في البدائل، ومنها الشاليهات المؤقتة التي تصاحبها برامج سياحية مناسبة وقريبة منها، ويمكن إنشاء شركات خاصة لهذا الغرض. يجب منح قروض عقارية خاصة لمثل هذه المشاريع وتشجيع رجال الأعمال على زيادة الاستثمارات وإنشاء أو التحول إلى أبراج سكنية، يجب أن تقوم الهيئة بإنشاء لجان خاصة من أصحاب الشقق المفروشة والأسواق التجارية لتنسيق برامج سياحية خاصة لتلك الشقق السكنية البعيدة عن الحراك السياحي والتعاون مع مؤسسات النقل حتى تستطيع الأسر الوصول ببساطة إلى تلك الفعاليات التي دائما ما تتمركز في وسط المدينة ومراكزها الكبيرة، كما يجب أن تقدم البنوك لأصحاب المشاريع السياحية تسهيلات بنكية خاصة في مثل هذه المواسم، وعلى الهيئة في كل الأحوال تشجيع الاستثمار في هذا القطاع (قطاع الإيواء السياحي) والتأكيد بدراسات جدوى أن الأرباح فيه تفوق الربح العادي. حتى ذلك الحين البعيد سننتظر شكوى السياح من أسعار الصيف في برد الجنوب بينما نغني معا أنشودة المطر لأن عدد الشقق كما كان منذ عام.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي