كارثة اليابان النووية وأثرها في استراتيجيات موارد الطاقة للدول الصناعية
كما هو معلوم أنه منذ ما قبل منتصف آذار (مارس) الماضي شهدت اليابان كارثة تصنف بأنها الأشد بعد قنبلتي هيروشيما ونجازاكي في الحرب العالمية الثانية، وقد يصنفها بعض الخبراء بأنها قد تكون مقاربة لمستوى كارثة مفاعل تشيرنوبيل في أوكرانيا، عام 1986. ومن نافلة القول الحديث والاستطراد عن المستوى الذي وصلت إليه اليابان في التقنية, خصوصا فيما يتعلق بالتقنية النووية وأنظمة السلامة العالية سواء في هذه المفاعلات، أو الصناعات اليابانية بشكل عام، إضافة إلى الجودة والدقة اللتين تتميز بهما الصناعات اليابانية بشكل عام، التي لم تستطع الصمود أمام هذا الزلزال القوي الذي بلغت درجته نحو تسع درجات بمقياس ريختر، واستمر حدوث الزلازل بشكل متتال، الذي أثر بشكل مباشر في عدد من المفاعلات النووية اليابانية. وهذا الزلزال وإن كان قد أحدث كارثة هائلة بجميع المقاييس في اليابان إلا أن هذه المفاعلات النووية التي انفجرت قد تحدث كارثة أضخم وأشد. ومن الصعب في هذه المرحلة تقدير حجم الضرر الذي قد تحدثه هذه المفاعلات، إذ إن أثرها قد يكون طويل الأمد، خصوصا أن الوقود النووي يحدث آثارا تمتد لسنوات في الأراضي والكائنات البحرية بما قد تمتد إلى فترة طويلة جدا.
الطاقة النووية هي أحد موارد الطاقة التي يعمل العالم على تطبيقها في الفترة الماضية لتكون أحد بدائل البترول مستقبلا، وذلك لتخفيف اعتماد الدول الصناعية على البترول الذي لا تمتلك حاجتها منه، وتستخدمها بعض دول العالم لتوليد الطاقة الكهربائية. وعكفت الدول الصناعية على دراسات وبحوث وتجارب لإيجاد موارد بديلة للطاقة المستخرجة من غير البترول، وذلك مثل الطاقة المتجددة التي يتحصل عليها من الطاقة الشمسية والرياح ومن حركة الأنهار، ويوجد من الدول ما يستخرج الطاقة من بعض المنتجات الزراعية, التي تسمى الوقود الحيوي، الذي يستخرج من الذرة والقمح والسكر، وأنواع الطاقة السابقة تصنف بأنها من الطاقة النظيفة, إذ إن إنتاجها لا يسبب تلوثا للبيئة، كما هو الحاصل في الطاقة المستخرجة من البترول أو الطاقة النووية. ورغم الجهود العالمية لإيجاد موارد بديلة للطاقة المستخرجة من البترول، إلا أن هذه البدائل بوضعها الحالي لم تصل إلى مستوى كفاءة وتكلفة الطاقة المستخرجة من البترول، ولذلك سيستمر العالم في هذه المرحلة في الاعتماد على البترول بشكل رئيس إلى أن يتم إيجاد بدائل أخرى منافسة للطاقة المستخرجة من البترول.
هناك حقيقتان هما أن البترول اليوم لم يصبح فقط موردا للطاقة, بل يعتمد عليه العالم في الكثير من الصناعات مثل السيارات والملابس، وكثير من المواد التي تدخل في أنواع من الصناعات الثقيلة، والإلكترونيات، وغيرها من الصناعات، والذي يؤكد أن الاحتياج العالمي للبترول لا يتوقف على الطاقة فقط, بل لها استخدامات كثيرة ومتعددة تجعل من الحاجة إليه واستخدامه مستمرا حتى مع وجود بدائل.
الحقيقة الثانية أن العالم اليوم يعمل بشكل حثيث للوصول إلى تقنية تحد من الاعتماد على البترول كمورد للطاقة، ليس فقط بسبب الارتفاع المتواصل لأسعاره، بل لأن البترول مورد غير متجدد، وبالتالي فإنه قابل للنضوب يوما ما، إضافة إلى أن الدول الصناعية لا تمتلك كفايتها من هذا المورد فهي حريصة على إيجاد بدائل تمكنها من الاستغناء عن الاحتياج إلى دول الشرق الأوسط, التي تحظى بنصيب الأسد من البترول.
والسؤال الذي يرد هنا: ما أثر هذه الكارثة في مستقبل الاستثمار في الطاقة النووية للأغراض السلمية؟
هناك عدة عوامل تحكم القرار العالمي في هذا الموضوع، فحادثة اليابان مع ما تمتلكه من إمكانات وتقنية للوصول إلى أعلى ما يمكن من درجات السلامة تضع أكثر من علامة استفهام عن تقبل العالم مستقبلا السماح للدول بإنشاء المفاعلات النووية للأغراض السلمية، خصوصا أن إمكانات كثير من الدول ما زالت محدودة فيما يتعلق بالسلامة، كما أن أثر هذه الكوارث لا تقف عند دولة واحدة، بل قد تعم دولا أخرى مجاورة، إضافة إلى قرارات الدول المتقدمة أيضا فيما يتعلق بالاستمرار في الاستثمار في هذا القطاع، والرهان عليه كواحد من البدائل للطاقة المستخرجة من البترول أمر فيه نظر واحتماله ضعيف.
السيناريو المتوقع ــ والله أعلم ــ مستقبلا هو أن كثيرا من الدول المتقدمة ستعمد إلى جعل الاستثمار في الطاقة النووية محدودا ومؤقتا, إذ إن مثل هذه الكارثة قد تتكرر في دول أخرى، بأسباب متعددة منها الكوارث والحروب والأزمات الداخلية، وقد يكون إمكانات السيطرة على هذه المفاعلات معقدة ومكلفة، إضافة إلى أن التخلص من الوقود النووي يؤثر بشكل كبير في البيئة، وقد يؤدي إلى مشكلات بيئية وسياسية مستقبلا.
وبالتالي سيتم التركيز على الاستثمار في الطاقة النظيفة، واستمرار الاعتماد على النفط. لكن لا بد من إعادة النظر فيما يتعلق بأن اعتماد بعض الدول الصناعية على الطاقة من المصادر الحيوية قد يؤدي أيضا إلى كارثة اقتصادية على الدول الفقيرة والنامية. إذ إن هذا قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية الرئيسة بشكل لا يستطيع تحمله العالم، ويزيد من مستوى الفقر وارتفاع الأسعار، ولذلك لا بد أن يكون موقف العالم حازما في هذا الموضوع، وأن يقتصر التوسع على التركيز على بدائل الطاقة من المصادر المتجددة، كما أن استمرار بعض الدول في الاستثمار في الطاقة النووية حتى إن كان للأغراض السلمية لا بد أن يتوقف بسبب أن الضرر المتحقق منها كبير مقارنة بإيجابياتها، خصوصا أن الضرر لا يقتصر على الدولة التي تنشئ هذا المفاعل, بل يتجاوزه إلى دول أخرى مجاورة, كما أن الوقائع تؤكد أن هذه المفاعلات قد تكون نقطة ضعف.
الخلاصة أن الاستثمار في الطاقة النووية السلمية بعد كارثة اليابان قد لا يكون خيارا استراتيجيا في المستقبل، وسيستمر العالم في الاعتماد على البترول في الطاقة كخيار كفء، والأولى ــ مستقبلا ــ أن يتم التركيز على الطاقة النظيفة والمتجددة، والاستثمار في الوقود الحيوي قد يكون خيارا كارثيا على الدول الفقيرة والنامية إذا ما كان خيارا للدول الصناعية مستقبلا.