هل يمكن نقل مفهوم المظلة الاجتماعية السويدية إلى بلد عربي مسلم؟

في الأسبوع الفائت تحدثنا عن المظلة الاجتماعية السويدية، وكيف استطاع هذا البلد الأمين تجنب المشكلات العويصة التي يعانيها العرب ودولهم اليوم. والمظلة الاجتماعية ركن واحد من أركان النظام في السويد. إلا أنها ركن أساسي؛ لا بل حجر الزاوية الذي لولاه لسقط البنيان.
وقد تحدث عن هذا الركن هوكان يوهولد عند انتخابه الشهر الماضي رئيسا جديدا للحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي، الحزب الذي يعود له الفضل في إرساء أركان نظام الائتمان الاجتماعي في السويد، مستخدما لغة مجازية، قائلا: "الذين يتمتعون بالشمس الساطعة عليهم شيئان: إما إفساح المجال للذين يعانون من البرد القارص والأمطار للوقوف معهم، وإما رفع مظلة لحمايتهم".
ولنقرب المجاز إلى أبناء بلد الحرمين لأن الشمس وحرارتها نعمة كبيرة في السويد، هذا البلد الرطب الذي يغشاه الظلام وتكسوه الثلوج لأكثر من ستة أشهر في السنة، وتنزل السماء عليه مطرا وبردا وصواعق في الأشهر الستة الأخرى. في بلد الحرمين، حسب مفهوم المظلة الاجتماعية السويدية، سيكون لزاما على الذين يتفيأون الظلال الوارفة وينعمون بالنسيم العليل الذي تنفثه أجهزة التبريد، إما إفساح المجال للذين يعانون من حرارة الشمس اللافحة وضرباتها القاسية كي ينعموا بالنسيم العليل الذي يهب على وجوههم وأجسامهم وإما أن يبنوا مظلات تحميهم من قيظها.
كيف تترجم السويد هذا المفهوم المجازي على أرض الواقع؟ قدمنا شرحا عن ذلك ولو بإيجاز كبير في رسالة الأسبوع الماضي، واليوم أزيد بعض الشيء. في السويد يشعر المتنعمون بحرارة الشمس أن الحفاظ على المظلة الاجتماعية التي تؤوي الكل واجب مقدس. ولهذا، وبعد عشر سنوات من العمل في هذا البلد، لم ألاحظ أن سويديا تذمر من دفع الضرائب العالية على الدخول لأنه يؤمن ويعتقد أن ما يدفعه من دخله واجب عليه وحق للمستفيد منه.
الوزير في الحكومة السويدية يتقاضى نحو 100 ألف كرون سويدي (نحو 15 ألف دولار) في الشهر. يدفع 33 في المائة لمصلحة الضرائب عن الـ 25 ألفا الأولى من راتبه وبعدها تزداد الضريبة وقد تصل إلى 60 في المائة. بمعنى آخر أن ما يصل إلى جيب الوزير لا يتجاوز في أي حال من الأحوال ثمانية آلاف دولار. والمظلة الاجتماعية تعني أن الكل من الملك ورئيس الوزراء وقادة الجيش والحاشية وأصحاب الشركات الكبرى إلى المنظف في المدرسة أو المستشفى عليه تنفيذ واجبه الضريبي استنادا إلى الدخل الذي يحصل عليه.
والمؤسسة القضائية قد ترفق بالمتهمين وإن كانوا قتلة ضمن مفهوم قضائي خاص تتمسك به السويد دون غيرها من الأمم؛ مفاده أن الإنسان يجب منحه فرصة أخرى مهما كان الذنب الذي اقترفه. بيد أن مصلحة الضرائب التي لها سلطات كبيرة لا ترحم المخالفين مهما علا شأنهم ومقامهم. والسبب واضح. لا مساومة على مفهوم المظلة الاجتماعية في هذا البلد. الكل يدرك أن البلد والبنيان سينهاران إن ترَكَ الذين يتمتعون بالشمس إخوان لهم في العراء.
وأنا الكاتب المتشبع بالحضارة العربية والإسلامية أحاول دائما إجراء مقارنان ومقاربات، وأسأل نفسي دائما: كيف توصل هؤلاء الناس إلى هذا الإدراك الإنساني وهم علمانيون لا يؤمنون بالله ورسله، وبمفهوم أهل الكتب السماوية ملحدون وكفرة؟ ولماذا لا يعمل العرب والمسلمون على تطبيق مفهوم إنساني مواز، سيما أن كتابهم فيه من القيم الإنسانية ما يبرز نظريا ما لدى السويديين؟
السويديون توصلوا إلى هذه القيم الإنسانية العظيمة وهم لم يقرأوا، لا بل لا يعرفون أن في القرآن سورة تدعى سورة الماعون التي يؤمن المسلم بأنها كلام الله. وماذا تقول هذه السورة؟ ألا توضح هذه السورة أركان وأسس مظلة اجتماعية شبيهة بما لدى السويد قبل نحو 15 قرنا؟ وهل قرأتم "ولا يحض على طعام المسكين" (الحاقة)، "ولم نك نطعم المسكين" (المدثر)، "فأما اليتيم فلا تقهر" (الضحى)، وأخيرا "ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" (محمد).
من يجب أن يطبق مفهوم المظلة الاجتماعية؟ الشعوب التي لديها كتاب سماوي يدعوها إلى المساواة بآيات بينات أم الشعوب التي أساسا لا تعترف بوجود إله السماء؟
وإلى اللقاء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي