كي لا تُمزّق الكتب!
تشغل تفكيري العبارة التي سمعتها كثيرا - وربما أنتم كذلك - تلك التي يتعلق بها الطلاب والطالبات عندما يطلب منهم قراءة كتاب أو مجلة، قراءة أي شيء: "بالكاد نقرأ كتبنا الدراسية وتريدوننا أن نقرأ هذه أيضا". ومع هذه العبارة تزورني صور انطلاقهم بعد الاختبارات النهائية وتمزيق أكداس الكتب ورميها على الأرض أو صناديق القمامة، وقد يذهب فريق منهم إلى حرقها كأنهم يتخلصون من شرّ مقيم!
وأفكر ما الذي يوصلهم إلى تلك المرحلة؟ هذا النفور لا يولد في ليلة وضحاها، لا بدّ من جذور لنفور المتعلمين من فكرة قراءة النصوص المكتوبة في كتبهم المدرسية وغيرها.
في كتابهما المشترك "نصنع الطريق بالسير عليه - We Make The Road By Walking"، يناقش المفكر والتربوي البرازيلي بول فريري والتربوي وعالم الاجتماع الأمريكي مايلز هورتون الكثير من المواضيع المرتبطة بالتربية والتعليم في حوارات طويلة عن التربية والتغيير الاجتماعي.
استوقفني الفصل الذي يناقشان فيه القراءة ومشكلاتها بوصفها قضية "عالمية" يشترك فيها المتعلمون حول العالم.
وتقف تساؤلاتهم على واقع نفور المتعلم من قراءة أي نصّ خارج عن كتبه المدرسية، مهما احتوى من دعم لترسيخ المعرفة والفهم، وفي هذا السياق يبحثون عن المسبب الأول "المعلم أو المربّي" وكيف أنه يشجع هذا النفور عامدا كان أم غير متعمد.
ويسترجع التربويان ذكرياتهما الخاصة عن تلك الفصول - ونحن نتحدث عن عشرينيات القرن الماضي - حيث ينمي الأساتذة فضول المتعلمين ويستدرجونهم للقراءة والبحث، أو في سيناريو سيئ يقتلون أي بوادر لطلاب متفردين ومتميزين.
يقول هورتون إنه كان يستمتع بإغاظة بعض مدرسيه بالقراءة في حصصهم الدراسية، وهذا التصرف وإن بدا عدائيا لنا، لكنّه يعبر من خلاله عن عدم رضاه تجاه العملية التعليمية التي كانت تجري في غرفة الصفّ.
أما بول فيريري فيتحدث عن القراءة بأنها يجب أن تكون "حدثا ملؤه الحبّ"، بينما يحدث العكس في الواقع؛ فالطلاب يشعرون بأن القراءة في كتبهم المدرسية واجبا ثقيلا يبدؤون به لينتهوا منه سريعا.
تلك العلاقة السحرية التي تولد بين النص، بين الكلمة وعين القارئ لا تتم إذا حددت بساعات، بأيام معدودة، التقط هذه المعلومات سريعا، ثم اسكبها على الورق واذهب!
هذا الفعل الأوتوماتيكي يجرّد القراءة - والكتابة أيضا - من عظمتها ومهمتها الجليلة في ترسيخ العلوم وتزويد المتعلم بخبرات يربطها بحياته ويستمد منها وقودا لتجاربه المستقبلية.
باولو فريري عُرف عنه تكريسه لحياته في سبيل تحسين أوضاع العلم والمتعلمين، وربط ما يتعلمه الطلاب في غرف الدراسة بواقعهم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
وكيف يتأتى لهم هذا إذا لم تكن القراءة والاستزادة من المعارف حولهم هي المحرك الأول لهم؟
يؤكد فريري أن الوظيفة الأهم للتربويين هي تعليم الطلاب "كيف يتعلمون" وبالدرجة الأولى كيف يقرؤون الكتب كما يجب، يقول إنه كان يخضع طلابه خلال العام الدراسي لقراءاته هو لبعض الفصول من كتب مختارة، أن تقرأ ليس أن تعبر بعينيك على السطور وتستظهرها لتؤدي اختبارا وحسب، يرى فريري أن القراءة من أصعب العمليات التي يجب على الإنسان إتقانها.
يرى أيضا أننا ومن خلال تدريس هؤلاء الطلاب يجب أن نبيّن لهم الآثار المترتبة لعمليتي القراءة والكتابة، أن نبيّن لهم أهمية هذا النص الموضوع بين أيديهم.
الحوارات بين هورتون وفريري مشجعة وباعثة للأمل، نحنُ لا نقول إننا سنُكسب المتعلمين حب القراءة في وقت قصير، لكننا في البدء نتمنى أن يدركون الصلة الوثيقة التي تبنى بينهم وبين كتبهم الدراسية، والأسئلة التي تولدها تلك الصفحات "المختصرة" عن المعرفة الإنسانية يجب أن يجدوا من المعلمين تحفيزا لأن يبحثوا عن تتمتها في كتب أخرى.
حينها فقط ستصبح القراءة لديهم فعل حبّ لا رعب!