لجان الغرف التجارية .. حديث التجار المنتهي برفع الأسعار

ـــ بوتنام: هل لديك اقتراح تقدمه لي؟
ـــ كراندال: نعم لدي اقتراح لك: ترفع أسعار السفر 20 في المائة غدا وسأقوم برفعها لدي في اليوم التالي.
ـــ بوتنام: نحن ....
ـــ كراندال: سنحقق مزيدا من الأرباح.
ـــ بوتنام: يجب ألا نتحدث عن التسعير، كما تعرف.
ـــ كراندال: يا عزيزي نحن نستطيع الحديث عن أي شيء.
هذه نصوص للمحادثة التي تم توثيقها عام 1982 بين هوارد بوتنام رئيس خطوط برانيف الجوية في ذلك الحين وروبرت كراندال رئيس الخطوط الجوية الأمريكية، وهي تشير إلى أن أي حديث للتجار عادة ما ينتهي باتفاق على رفع الأسعار. والعالم اليوم يشهد عودة قوية للبرجوازية الرأسمالية، فقبل الثورة الصناعية كانوا تجارا، وخلالها أصبحوا مهندسين وبعدها رجال أعمال ورؤساء مجالس إدارات. لقد بذل مفكرو الرأسمالية جهودا جبارة في السيطرة على هذه النخبة، فهم رغم قدراتهم على تحريك عجلة الاقتصاد بقدر خطورتهم عليه في المدى الطويل. ذلك أنهم أنانيون بطبيعتهم يسعون إلى تعظيم الأرباح بكل الوسائل، والرأسمالية ـــ بطبيعتها ـــ تقدم لهم الغطاء الأخلاقي لكل تصرفاتهم, فأخطاؤهم عادة ما تتهم بها الرأسمالية، على أن هذه الأخطاء التي طالما ارتكبوها تسببت في ثورات العمال وظهور الأحزاب والدول الاشتراكية والديكتاتوريات وانتهى العالم إلى الحروب. لم يكن من حل أمام منظمي الأسواق للحفاظ على النظام الرأسمالي حيا وفاعلا من جهة وتقليل الاضطراب فيه من جهة أخرى إلا السيطرة على هذه النخبة الضرورية له والخطيرة عليه في الوقت نفسه. تلك معادلة الرأسمالية المحيرة وهذه هي لعبة منظمي الأسواق على الحبل .. فمن أين تأتي خطورة التجار على النظام؟
إنها تأتي دوما من خلال تجمعاتهم ''المنظمة''، سواء كانت رسمية أو غير رسمية، بل الخطورة تأتي حتى من الاجتماعات والتجمعات غير المنظمة. ذلك أن اجتماعاتهم تبدأ بأي موضوع ثم تنتهي ''حتما'' بالاتفاق على رفع الأسعار أو تخفيض الأجور أو كليهما. يتغلب المنظمون على منع اتفاق التجار على تخفيض الأجور بإنشاء نقابات العمال وإقرار القوانين التي تضع الحد الأدنى للأجور، ويتم التغلب على مخاطر رفع الأسعار بقوانين منع الاحتكار ومنع تجمعات التجار أو مراقبتها. آدم سميث يقول إن منع التجار من التجمع شبه مستحيل، وهو محق، لذا جاءت قوانين منع الاحتكار وحماية المنافسة ليس لتمنع التجار من التجمع, بل لتمنعهم من الاتفاق التآمري على الأسعار وتشويه المنافسة في السوق، ومثل هذه الحالات حدثت لدينا، فعندما دخلت سوق الألبان حرب أسعار انتهت بخروج عديد من صغار المنافسين، ثم هاهي الشركات التي أدارت الصراع بالأمس تحقق مكاسب كبيرة اليوم، ورغم صعوبة القول إنها احتكارية إلا أن شواهدها كثيرة.
إذا كانت هذه هي حال التجار في كل زمان ومكان, وهذه هي خطورة تجمعهم، فكيف يسمح للتجار لدينا بالتجمع ومناقشة مواضيعهم والاتفاق عليها بلا رقيب أو حسيب تحت اسم لجان الغرف التجارية. نظام الغرف التجارية صدر عام 1400 وقد حددت المادة الخامسة من النظام اختصاصات الغرف، وليس من ضمن تلك الاختصاصات تسهيل تجمع التجار لمناقشة قضاياهم. لكن التجار يجتمعون مستفيدين من المادة رقم 9, التي تسمح للغرف التجارية والصناعية في سبيل تحقيق أغراضها بتشكيل اللجان المتخصصة من بين المشتركين فيها أو غيرهم لإعداد الدراسات والبحوث والتقارير التي تساعد على تطوير التجارة والصناعة. هذه المادة تحدد مهام اللجان في إعداد الدراسات والبحوث والتقارير فقط، لكن مشكلتها أنها تسمح بتجمع المشتركين, وهم التجار بالطبع، وأي تجمع للتجار ـــ إذا لم يراقب ـــ سينتهي حتما برفع الأسعار أو التآمر على المستهلكين أو المنافسين الجدد.
لست ضد أحد، ولست أتهم، لكن هذه هي الرأسمالية شئنا أم أبينا، تجمع التجار سلوك خطر عانته أمم الأرض قبلنا, لذلك سنت من أجله القوانين ولسنا استثناء من ذلك. المادة 22 من نظام الغرف التجارية تنص أنه لا يجوز لعضو مجلس الإدارة الاشتراك في المداولة في الموضوعات التي يكون له فيها مصلحة فردية مباشرة. فالنظام نفسه يتوقع من التاجر ـــ وهذا طبيعي ـــ أن يهتم بشؤون تجارته على حساب الآخرين، فكيف نعود ونسمح لعدد من التجار في قطاع وصناعة معينة بالتجمع والتشاور وإبداء الرأي بعيدا عن أعين الرقابة.
النظام في المادة 17 منه أجاز لوزير التجارة والصناعة أن يعين لدى الغرفة مندوباً تكون مهمته مراعاة تنفيذ الأنظمة والقرارات، وله حق حضور اجتماعات الجمعية العمومية ومجلس الإدارة واللجان، والاطلاع على المحاضر والدفاتر والحسابات ولا يكون له صوت معدود في المداولات، إلا أن هذه المادة لم تُفعّل, خاصة فيما يتعلق بحضور اجتماعات اللجان. فلماذا لا تفعل هذه المادة والحال هذه والنظام يؤيد؟ لماذا لا يكون أي تجمع للتجار في الغرف التجارية حتى لو كان تحت اسم لجان، مهما صغرت أو كبرت تحت رقابة الوزارة ويكون مندوب الوزارة عضوا فاعلا؟ ثم لماذا لا تتم دعوة عضو من جمعية حماية المستهلك لهذه اللجان ولجميع اجتماعات الغرف التجارية كعضو مراقب؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي