كيف تتعامل السويد مع المشاكل التي يعانيها العرب؟

الشرق الأوسط العربي في مخاض عسير وأليم. تجنبه صعب إن لم يكن مستحيلا. كل شيء كان يشير إلى قرب هذا المخاض. إذن لماذا لم يستعد له أصحاب الشأن لدى العرب كي يخففوا من وطأته على أنفسهم وشعوبهم؟ والمخاض قد يؤدي إلى ولادة جديدة. والوليد الجديد لا مناعة قوية له. يمرض بسرعة، وفي حالة فقدان الرعاية اللازمة قد يموت أو يصاب بتشوهات. وإن كبر دون تربية صحيحة قد ينحرف ويقع فريسة للسلبيات ذاتها، التي أدت إلى المخاض الذي أتى به.
إحدى الطرق الأساسية التي تجنب البشر، أفرادا، ومجموعات، وشعوبا الكثير من المصائب إجراء مقارنات ومقاربات، المنهج الذي استخدمناه كثيرا في هذا العمود. المقاربة، عند إجرائها بنيّة صافية قد تكون واحدا من أفضل السبل لتحقيق ما نصبو إليه. كلنا بشر وكلنا متساوون في القيمة الإنسانية وكلنا نملك مقدرة عقلية خارقة تمكننا من التعلم من الغير واستيعاب إنجازاتهم الإيجابية وترك ما قد يؤثر سلبا فينا وفي ثقافتنا.
الكتابة عن السلبيات المتعلقة بشتى مناحي الحياة في العالم العربي أصبحت مملة لكثرتها وتكرارها. وإن أدليت بدلوي فيها لا أظن أنني سأزيد خردلة على ما أتى به غيري. لذا ارتأيت الولوج إليها من باب آخر من خلال كتابة سلسلة مقالات أحلل فيها المجتمع السويدي، مستندا إلى ما جمعته من ملاحظات خلال ما يزيد على عقد من وجودي في إحدى جامعاته. إنني أرى أن السويد استطاعت تجنب المشاكل الكبرى التي يعانيها المجتمع العربي ، التي أدت إلى ما نشهده اليوم من أحداث كبرى أطلق عليها بعضنا لفظة "التسونامي" وذلك من خلال اتباع سياسات قد تنقذ العرب مما هم فيه إن نقلوها بأسلوب يوائم مجتمعاتهم وثقافتهم ودينهم.
واحد من أروع الإنجازات التي حققتها السويد الطريقة العادلة التي توزع بها الثروة. تكلمنا في رسائل سابقة عن الثروة السويدية وقارناها وقاربناها مع ما لدى بعض البلدان العربية.
الخطة السويدية تستند إلى مظلة الائتمان الاجتماعي. وتحت ظلال هذه المظلة يشعر السويديون أنهم متساوون. ليس معنى هذا أن الكل يحصل على دخل متساو. هناك أغنياء كبار في السويد. معناه ليس هناك فروقات كبيرة في المأكل والملبس والسكن والتعليم والصحة والحصول على الخدمات الاجتماعية برمتها بين الأستاذ في الجامعة وصاحب استثمارات هائلة في أي شركة كبرى ورئس الوزراء والوزراء وقائد الجيش والملك والأمراء والأميرات والعاطل عن العمل والمقعد والمتقاعد واليتيم والأرملة.
وكي أقرّب مفهوم المظلة الاجتماعية إلى القارئ لنفترض أننا وقفنا أمام مخزن كبير وبودنا معرفة المركز الاجتماعي والمالي والوظيفي للمتبضعين من خلال ما يحملونه من مشتريات. نتيجة تحرياتنا ستوصلنا إلى ما مفاده أن الكل أغنياء لأنك لن تستطيع فرز العاطل عن العمل والمقعد واليتيم عن الثري وصاحب الشأن.
وتختفي لا بل تزول كل الفروقات الاجتماعية والوظيفية والعائلية والقبلية والمالية عندما يتعلق الأمر بالخدمات العامة. لنأخذ الصحة كمثال. رئيس الوزراء والملك والمقعد واللاجئ والعاطل عن العمل واليتيم والأرملة يتلقون الرعاية الصحية نفسها، التي تقدمها الدولة مجانا للكل ودون تمييز وتشمل الفحص الطبي الدوري والأدوية والعقاقير ،وحتى العمليات الكبرى.
وأتذكر كيف أن رئيس الوزراء السويدي السابق، يوران برشون، اضطر للانتظار أكثر من ستة أشهر كي يأتيه الدور لإجراء عملية جراحية في العمود الفقري رغم أنه لم يكن بإمكانه الجلوس لشدة الألم وكنا نشاهده واقفا في كثير من اللقاءات. تعامل المستشفى معه وكأنه إنسان عادي من عامة الشعب ولم يمنح حتى حق تسريع موعد العملية رغم إلحاحه وكونه أقوى رجل في السويد.
عندما يشعر الناس أنهم متساوون في الحقوق والواجبات يزداد حبهم لوطنهم ويزداد إنتاجهم وشعورهم بالمسؤولية تجاه أنفسهم أولا وحكوماتهم ونظمهم ثانيا.
وإلى اللقاء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي