تعليق منح الموافقات لمحطات الطاقة النووية في الصين .. هل هو تحول جذري؟
على مدى السنوات القليلة الماضية جدد عديد من البلدان اهتمامها بالطاقة النووية، وعادة ما يشار إلى هذا الاهتمام المتجدد بعصر النهضة النووي العالمي. إن ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري، القلق المتزايد بشأن أمن إمدادات الطاقة، والإلحاح المتزايد حول خفض انبعاث الغازات الدفيئة، ساعدت بصورة كبيرة على تحسين وضع الطاقة النووية بالنسبة للخيارات الأخرى المتاحة من الطاقة. لكن الأزمة النووية في اليابان جعلت عديدا من الدول تعيد التفكير في تطوير برامجها النووية. البلدان في أوروبا أظهرت مجموعة متباينة من ردود الأفعال، تباينت بين استمرار الدعم للطاقة النووية في أجزاء من أوروبا الشرقية إلى تعليق أو توقيف النشاط على المشاريع الجديدة والقائمة في ألمانيا وسويسرا، اللتين أعلنتا بالفعل تعليق خططهما لتمديد العمر التشغيلي للمصانع القائمة في انتظار مراجعة معايير السلامة، حيث قامت ألمانيا بإغلاق سبع محطات للطاقة النووية.
الصين التي تلتزم في الوقت الحاضر بأسرع برنامج لتنمية الطاقة النووية من أي دولة أخرى في العالم، أعلنت هي الأخرى تعليقا مؤقتا لمنح الموافقات لإنشاء محطات الطاقة النووية الجديدة، لكن ليس واضحا بعد ما إذا كان هذا سيضع حدا لتوسع الطاقة النووية في الصين.
من الجانب الرسمي ترى الحكومة الصينية أن التوسع في مجال الطاقة النووية له أهمية حاسمة في تحقيق التزاماتها في مجال الحد من انبعاث الكربون, إضافة إلى تطوير صناعة ذات قيمة مضافة كبيرة لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة. لكن الأزمة النووية الأخيرة في اليابان دفعت الحكومة الصينية للإعلان عن تعليق مؤقت لمنح الموافقات لمشاريع محطات الطاقة النووية وتجديد الفحوص على المفاعلات العاملة وعلى تلك التي في مرحلة التشييد.
يرى المراقبون أن هذا الإجراء لا يعد علامة على وجود تباطؤ كبير في التوسع المتوقع في مجال الطاقة النووية في الصين، لكن هو وسيلة لتعزيز موقف الحكومة المركزية بشأن تحديد معايير أفضل للسلامة واستخدام مفاعلات أكثر تطورا. حيث إن الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم تدرك تماما أن الطاقة النووية هي التقنية الرئيسة التي يمكن من خلالها تحقيق فوائد اقتصادية وبيئية كبيرة، لكن معدل النمو المتوقع لن يكون بطموح الخطط الحالية. الأزمة النووية في اليابان عززت تفضيل الحكومة المركزية لاتباع خطط أقل طموحا لتطوير الطاقة النووية من تلك التي تفضلها حكومات الأقاليم والشركات العاملة في مجال تطوير الطاقة النووية، حيث شدد إعلان الحكومة الصينية على مزيد من التدقيق في هذا المجال.
في الواقع كانت الحكومة المركزية على بينة من الخطط الطموحة التي اعتمدتها حكومات الأقاليم تجاه الطاقة النووية في السنوات القليلة الماضية، حيث عبر عدد من المسؤولين في الحكومة المركزية عن مخاوفهم في هذا المجال, لكن لم تصدر علنا أي سياسات محددة.
في وقت مبكر من هذا العام أصدرت إدارة البحوث التابعة لمجلس الدولة الصيني دراسة تدعو إلى اعتماد خطط معقولة لتطوير محطات الطاقة النووية. وشددت الدراسة على أهمية تباطؤ معدل النمو في الطاقة النووية، تحسين الرقابة على إجراءات السلامة، ومواصلة تقديم الدعم لتقنيات الجيل الثالث الأكثر تقدما. هذا واقترحت الدراسة ألا تتجاوز الطاقات من المحطات النووية 70 جيجاواط مكافئ بحلول عام 2020، هذا الرقم أقل بكثير مما اقترحته حكومات الأقاليم مجتمعة. تأتي هذه الدراسة في أعقاب تلميحات بوجود قلق من قبل الحكومة الصينية بشأن الخطط الموضوعة من قبل الصناعة وحكومات الأقاليم بهذا الشأن.
على سبيل المثال في العام الماضي، عديد من مسؤولي الحكومة المركزية لاحظوا بوضوح أنه على الرغم من أن كل إقليم يرغب في البدء ببناء المشاريع المقترحة خلال العام المقبل، هذا لا يمكن أن يحدث. الأزمة النووية في اليابان أيدت هذا النهج الأقل طموحا في تطوير الطاقة النووية. حيث أدت استجابة الحكومة المركزية على تهدئة المخاوف لدى الرأي العام بشأن معايير السلامة النووية، على الرغم من أن الرأي العام الصيني كان أقل اهتماما من هذه الناحية إلا أن أزمة اليابان أثارت حفيظته أيضا. التعليق المؤقت لمنح الموافقات لمشاريع محطات الطاقة النووية رسخ موقف الحكومة المركزية بشأن عزمها على توطيد سلطتها على منح التراخيص لمحطات الطاقة النووية، ما يعني ضمنا اتباع نهج أكثر حذرا يؤكد على معايير السلامة والسياسات طويلة المدى لهذه الصناعة.
استجابة الحكومة المركزية الصينية إلى الأزمة النووية اليابانية هي أيضا علامة على موقف أكثر صرامة للحكومة في الترويج لتقنيات المفاعلات النووية الأكثر أمنا التي يمكن تصديرها، تتمثل هذه التقنيات في مفاعلات الجيل الثالث التي تستخدم الماء المضغوط التي يجري بناؤها. وتتطلع الحكومة الصينية أيضا إلى تقنيات أكثر تقدما مثل تلك التي تستخدم الثوريوم كوقود (بدلا من اليورانيوم)، التي لها ضمان أعلى على السلامة. لكن هذه التقنيات الأكثر تقدما وتطورا للمفاعلات النووية قد لا تكون هي بالضرورة التقنية المفضلة لدى الحكومات المحلية التي تتطلع لبدء عمليات البناء في العام المقبل.
الخطة الصينية الخمسية الـ 12 لتطوير قطاع صناعة الطاقة تركز على التنظيم الهيكلي لقطاع الطاقة، تحسين كفاءة استخدام الطاقة وخفض الانبعاثات، وبذل مزيد من الجهد في تطوير الطاقات النظيفة، هذه الخطة إن دلت على شيء تدل على أن الصين تأخذ مسألة تغير المناخ على محمل الجد. كما تعتزم الحكومة المركزية جعل الصين الرائدة في مجال التقنيات النووية، والاستثمار بكثافة في البحث والتطوير في مفاعلات الجيل الثالث، على أمل تصدير هذه التقنية في المستقبل.
ملامح سياسات الحكومة الصينية في مجال أمن إمدادات الطاقة وحماية البيئة وتقليل تأثيرات التغير المناخي، تشير إلى أن الصين تنوي أن تؤمن نحو 15 في المائة من احتياجاتها للطاقة من مصادر للطاقة غير الوقود الأحفوري بحلول عام 2020. سياسة الطاقات الناشئة، التي يتم تداولها بكثرة في دوائر الطاقة، تذكر على وجه التحديد الطاقة النووية باعتبارها جزءا لا غنى عنه للإجابة عن تحقيق هدف خفض كثافة الكربون. الخطة الخمسية الـ 12 للحكومة الصينية, التي كشف النقاب عنها أخيرا, تدعم الطاقة النووية. حيث تعتبر هذه الخطة الصناعة النووية من بين مجموعة من سبع استراتيجيات جديدة، من المقرر أن تحصل على دعم الحكومة خلال فترة السنوات الخمس المقبلة.
علاوة على ذلك فإن مسألة تغير المناخ ستستمر في تشكيل عامل رئيسي ضمن سياسات الطاقة في الصين لفترة طويلة بعد عام 2020. حيث إنه مع تباطؤ نمو الطلب على الطاقة نتيجة تحسن الكفاءة في استهلاك الطاقة، إمدادات الطاقة منخفضة الكربون ستصبح أكثر أهمية في المستقبل للحد من انبعاث الغازات الدفيئة، في هذا الصدد دور الطاقة النووية سيصبح أكثر أهمية.
لذلك الإعلان الأخير من قبل الحكومة الصينية يشير إلى أن الحكومة المركزية معنية حقا بالاستخدام الآمن للطاقة النووية في الصين، وليس هو تحول جذري في سياسة الصين تجاه الطاقة النووية، إضافة إلى ذلك الحكومة المركزية ترغب من هذا الإجراء في تعزيز موقفها بين الأطراف الأخرى، بما في ذلك الشركات الوطنية والحكومات المحلية، على أساس كيف وبأي سرعة يجب تطوير الصناعة النووية في الصين.