ممارسات خاطئة رغم وجود الهيئات الشرعية

ممارسات خاطئة رغم وجود الهيئات الشرعية

أصدرت شركة المشورة والراية للاستشارات المالية الإسلامية تقريرا بعنوان: «ماذا يعني أن تكون الشركات متوافقة مع الشريعة الإسلامية؟» وقال التقرير: يلاحظ أن المعايير التي يتم وضعها للحكم على «إسلامية» الشركة أو توافقها لغايات تداول أسهمها، لم ترق بعد إلى المعايير التي تعبر عن الجوهر القيمي والنموذج الأخلاقي التطبيقي للإسلام.

فالشركات الإسلامية التي لها هيئات شرعية، لم تمنعها «إسلاميتها» من أن تمنى بخسائر معظمها كان نتاجاً لممارسات خاطئة تحتاج إلى إعادة نظر حتى لا تحسب علينا.

أما المعايير المتبعة في فرز الشركات المتوافقة (التي يجوز تداول أسهمها) عن الشركات غير المتوافقة (التي لا يجوز تداول أسهمها) ما هي إلا نتاج تقليد لمعايير الاستثمار الأخلاقي أو الاستثمار الاجتماعي، أو الاستثمار المسؤول Socially Responsible Investment الذي هو معروف في الغرب من عقود. أي أن من أوجد معايير التوافق الشرعي النوعية، لم يأت بجديد يعبر عن روح وجوهر الشريعة، بل جاء بتقليد تم تكييفه ليكون إسلامياً من خلال ما يعرف بمعايير الفلترة الأخلاقية لنشاطات الشركات، مضافاً إليها عدم الاتجار بالخمر والميسر... وما إلى ذلك.

أما في ما يتعلق بالمعايير الكمية للتوافق، فقد شددت على أمور مهمة لا يمكن تجاهلها وهي تتعلق بحجم الديون «الربوية» أخذًا وعطاء إلى إجمالي الأصول أو القيمية السوقية. لكن تلك المعايير تجاهلت بشكل واضح حجم الديون «غير الربوية» واعتبرت أنه لو كان مقدار الرفع المالي 100 في المئة في الشركة جاء بعمليات تمويل إسلامية فلا بأس بذلك، وهذا في حد ذاته يتنافى مع المعايير المنطقية في المحاسبة وفي الاقتصاد.

إن المشكلة الأساسية التي تواجه صناعة التمويل الإسلامي تتمثل في أن نمذجتها ومعيرتها تتمان من خلال تقليد ما هو حاصل في النظام الغربي، وهو ما يجعل المعايير الشرعية في معظمها إسلامية الشكل، رأسمالية الروح والمنطق.

وعليه، تصنف الشركات المدرجة في السوق المالية الإسلامية من وجهة نظر شرعية إلى ثلاثة أصناف: شركات إسلامية، وشركات أسهمها متوافقة مع متطلبات التداول الشرعية، وشركات أسهمها غير متوافقة مع متطلبات التداول الشرعية.

معايير التوافق التي تسمح بتداول الأسهم؟

حتى ثمانينيات القرن المنصرم لم يكن تداول الأسهم مباحاً من الناحية الشرعية، إلى أن تمت إجازة الأمر من المؤتمرات الفقهية والهيئات الشرعية وفقاً لعدد من المعايير النوعية والكمية التي يجب توافرها في الشركة المراد تداول أسهمها. وترتبط المعايير النوعية بشكل مباشر بنشاط الشركة محل التداول، إذ إنه يجب أن تمارس الشركة نشاطاتها التجارية ضمن أمور مشروعة، فلا يجوز تداول أسهم الشركات التي تعمل في إنتاج الخمور أو التبغ أو الأمور الإباحية... وما إلى ذلك من الأمور التي لا تجيزها الشريعة الإسلامية.

أما المعايير الكمية فهي ترتبط بمؤشرات يتم استنباطها من القوائم المالية للشركة محل التداول، وهي ثلاثة، وفقاً لما هو متبع في شركة المشورة والراية للاستشارات المالية الإسلامية ـــ الكويت، وهي قريبة من معايير المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية.

أولها، ألا تتجاوز نسبة الأرباح غير الشرعية 5 في المئة. والمقصود بالأرباح غير الشرعية الأرباح التي تم تحصيلها بإحدى الطرق المؤدية للربا؛ كأن يكون للشركة ودائع في بنوك ربوية وتحصل منها على فوائد سنوية.

وثانيها، ألا تتجاوز قروضها الربوية نسبة 30 في المئة من قيمتها الرأسمالية أو أصولها. وأخيراً، ألا تتجاوز الودائع الربوية للشركة لدى الأطراف الأخرى 30 في المئة من الأصول أو القيمة السوقية.

من المفترض نظرياً أن تكون الشركات التي تتبنى معايير أخلاقية أكثر ربحية من نظيراتها التي لا تتبنى أية معايير أخلاقية، وذلك وفقاً لفرضيات الأثر الاجتماعي ضمن نظرية الأطراف ذات العلاقة Stakeholder Theory. لكن هذه الفرضية لم يتم إثباتها قطعياً حتى الآن، إذ أثبت كثير من الدراسات أن نتائج الأداء المالي للشركات التي تتبنى معايير أخلاقية كانت في أفضل حالاتها متساوية مع نتائج نظيراتها التي لا تتبنى معايير أخلاقية. هذا بالنسبة للشركات في الأسواق الغربية، ولا سيما الأمريكية والأوروبية.

أما بالنسبة للشركات الإسلامية المتوافقة (على اعتبار أنها شركات تتبنى معايير أخلاقية)، فقد كان الأمر مشابهاً لنتائج الدراسات التي أجريت على الشركات الأخلاقية في الأسواق الأجنبية. وتشير قاعدة بيانات "المشورة والراية للاستشارات المالية الإسلامية"، إلى أن الشركات الإسلامية (التي ينص نظامها الأساسي على ذلك ولديها هيئات شرعية) كانت (كمجموعة) الأقل في تحقيق الأرباح الصافية. وقد زادت الخسائر المتراكمة لمجموعة الشركات الإسلامية (عدا المالية) في الأرباع الثلاثة الأولى من العام المنصرم بواقع 28 في المئة، في حين أن الشركات المتوافقة (التي لا ينص نظامها الأساسي على إسلاميتها، لكنها تتوافق مع الشروط الشرعية لتداول أسهمها) انخفضت أرباحها المتراكمة بواقع 12 في المئة، مع حذف الأثر المترتب عن أرباح صفقة "زين". أما الشركات «غير الإسلامية» أو غير المتوافقة مع الشريعة التي يتم تداول أسهمها، فقد نمت أرباحها المتراكمة للأرباع الثلاثة الأولى من العام المنصرم بواقع 3 في المئة.

وتراجعت القيمة السوقية للشركات المدرجة من دون حساب قطاعات البنوك والاستثمار والتأمين بنسبة 10 في المئة خلال الربع الثالث من عام 2010 قياسا على الفترة نفسها من العام السابق، حيث إنها توقفت عند 14 مليار دينار بعد أن كانت 15.5 مليار دينار، وكان التراجع الأكبر من نصيب أسعار الشركات الإسلامية وبنسبة 40 في المئة، وهي في معظمها شركات صغيرة القيم السوقية وكانت 1.3 مليار دينار خلال الربع الثالث من عام 2009 لتتراجع إلى 789 مليون دينار خلال الفترة نفسها من عام 2010، بينما تراجعت الأسهم المتوافقة مع الشريعة بنسبة 5 في المئة وتوقفت عند 10.6 مليار دينار متراجعة من مستوى 11.2 مليار دينار، كما أن الشركات التقليدية انخفضت قيمتها السوقية بنسبة 12 في المئة وكانت 2.6 مليار دينار بعد أن كانت نحو 3 مليارات دينار.

الأكثر قراءة