المصرفية الإسلامية في الخليج تتجه نحو الاستثمارات الخارجية في البورصات العالمية

المصرفية الإسلامية في الخليج تتجه نحو الاستثمارات الخارجية في البورصات العالمية

كشفت مؤشرات حديثة عن توجهات جديدة في المصرفية الإسلامية في منطقة الخليج نحو منتجات جديدة عبر الاستثمارات الخارجية في البورصات العالمية، حيث إن متطلبات السيولة قصيرة الأجل التي تفرضها البنوك المركزية ومؤسسات النقد تضطرها إلى الاستثمار في تلك المنتجات التقليدية، باعتبار أن هذه السيولة ليست ملكا لها. وبالنظر في هذا الوضع برزت أسباب أخرى أسهمت في صنع هذا الواقع بشكل أو بآخر، منها رهن علاقات الارتباط القوية ما بين الاقتصادات الخليجية والاقتصاديات والأسواق الخارجية، وتحديدا الغربية، حيث إن الأخيرة تفرض على اقتصادات العالم الثالث الاستمرار في مثل هذه الاستثمارات.

وأوضح خبير مصرفي شرعي أن هناك سببا آخر يعود للمؤسسات نفسها، وهو استسهالها الاستمرار في هذه المنتجات غير المتوافقة مع الشريعة، بجانب توجّه غيّر مسارها عن الابتكار واستكشاف منتجات بديلة إلى التقليد وإيثار تجنب الأخطار بدرجة الاستغراق التي تجعلها جامدة باقية على قديمها دون تطويره. وقال الدكتور مستعين عبد الحميد كبير مستشاري المجموعة الشرعية لبنك البلاد السعودي: للأسف إن الاقتصادات في العالم الثالث تعاني من عدم التمويل في الوقت الذي تذهب فيه إلى الدول الغربية بشروط قاسية، بينما تستغل الأخيرة هذا الضعف وتقوم بإعادة تدوير ثمرة اقتصادات الدول الضعيفة وتحوّلها لها مرة أخرى في شكل استثمارات أو ارتباطات اقتصادية بشكل أو بآخر أكثر تكلفة لها.

التبادل الأجنبي للعملات بغرض السيولة

وتساءل الخبير المصرفي: «لماذا تتحمل الدول الغربية المخاطر ونحن في الدول العربية والإسلامية نرضى باستثمارات ضعيفة؟»، موضحا أن المصرفية الإسلامية أو بالأحرى المصرفية المتوافقة شكلا مع المقاييس الفقهية تقحم مواردها بنسب عالية جدا في مجالين أساسيين: الأول هو التبادل الأجنبي في العملات بغرض إدارة السيولة المتوافرة لها وإدارة مخاطرها المرتبطة بتبادل العملات الأجنبية، والمجال الآخر هو حماية رؤوس أموالها من خلال الاستثمارات السليمة والآمنة. ففي المجال الأول، وهو التبادل الأجنبي، قال الخبير المصرفي: «بما أن هذه المؤسسات اختارت اقتحام هذا المجال، فقد أدركت الأهمية الكبيرة للتعامل في النقد الأجنبي بصورة سريعة وبمهارة فنية وبدرجة من الاحترافية عالية، وذلك في ظل عدم استقرار أسعار صرف العملات». ويعتقد عبد الحميد أن عدم التعامل السريع والاحترافي مع هذه المتغيرات يعرض البنوك والمؤسسات المالية والأفراد المتعاملين معها لمخاطر كبيرة تؤثر بشكل مباشر في ممتلكاتهم النقدية وفي استثماراتهم، كما أن عدم اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب يعرض المؤسسات والأفراد لخسائر كبيرة.

وبناء على ذلك ـــ والحديث لعبد الحميد ـــ فإن تذبذب أسعار صرف العملات في ما بينها يشجع المؤسسات والأفراد المتعاملين في هذه الأسواق على اتخاذ مواقف يرونها تحقق أكبر مصلحة لهم، مبينا أن المؤسسات المصرفية تقوم بشراء العملات الأجنبية وإيداعها في حساباتها لدى البنوك المراسلة الخارجية لمواجهة مبيعاتها للعملاء الذين يقومون بدورهم بسداد قيمة البضاعة المستوردة أو إجراء حوالاتهم الشخصية.

ونتيجة لهذه الأعمال أو لأغراض المضاربة «أحيانا» يضطّر البنك إلى أن يأخذ أنواعا من المراكز، إما المركز الطويل، مركز المشتري عندما يكون مجموع مشتريات البنك من عملة معينة أكبر من مجموع مبيعاته من العملة نفسها، وهو ما تسميه المؤسسات المصرفية بالمبيعات الاستباقية، أي شراء العملات مقدما قبل بيعها، وإما اتخاذ المركز القصير، مركز البائع، وهو الحالة العكسية للوضع السابق، حيث يقوم البنك بالاتفاق على بيع مبالغ من عملة معينة غير مملوكة له، على أن يقوم بتغطيتها لاحقا من السوق بسعر أفضل عند الشراء، أو اتخاذ المركز المتوازن عندما تكون المبالغ المباعة والمشتراة متساوية.

أما في ما يتعلق بالمجال الثاني وهو الاستثمار، فقد أكد عبد الحميد أن مؤسسات المصرفية الإسلامية تقوم بهذا الدور من خلال إدارات خزائنها، وتعد إدارة الخزانة في البنك أهم مركز من مراكز الربحية الفاعلة، وهدفها زيادة أرباح البنك في إطار الالتزام بالحدود الائتمانية المعتمدة لكل قطر من أقطار العالم التي تسمح الدولة للبنوك بالتعامل معها. كما ينطبق ذلك على كل شركة ومؤسسة وبنك، وذلك على المستويين المحلي والدولي، وفي حدود إدارة المخاطر الناتجة من ذلك التعامل، وكذلك في حدود الأسعار الملائمة للتحويل في ما يخص العمليات بين البنوك.

ويرى عبد الحميد أن الاستثمارات التي يجري الحديث عنها حاليا في الخزانة بصفة أساسية ترتبط بما يعرف بعمليات البيع الآجل للسلع والمعادن في السوق الدولية بغرض إدارة سيولة البنك قصيرة الأجل، وذلك فضلا عن تطوير عمليات ذات صيغ خاصة لتمويل شراء أصول معينة لعملاء البنك خلال فترة متوسطة إلى طويلة الأجل، مثل الوكالة الدولية والسلم والاستصناع والإجارة الدولية. وتمارس المؤسسات المالية المفترض أنها تعمل متوافقة مع الشريعة عملها في المجالين المذكورين ضمن إطار عام يحكم ممارسات هذه المؤسسات وهو: أن تكون جميع مشترياتها من النقد الأجنبي لمقابلة مبيعاتها لعملائها وليس بغرض الحصول على الأرباح، أو أن تكون تلك المشتريات من النقد الأجنبي لأغراض الاستثمار في سوق البضائع والمعادن، على الرغم من التحفظات الكثيرة التي تواجه هذا النوع من الاستثمارات.

وأكد عبد الحميد أن التحدي الذي تواجهه إدارة السيولة في الخزانة هو موقف حساس ودقيق يتمثل في إقحام أرصدة البنك الخارجية بين ثلاثة عوامل جوهرية، أولها توفير أرصدة كافية من العملات في حسابات البنك مع المراسلين لمقابلة السحوبات كما تظهر أو تبدو «ما يعرف بالأرصدة الدفترية».

والعامل الثاني ـــ بحسب عبد الحميد ـــ إدارة الأرصدة على نحو تطمئن فيه الإدارة إلى أنها لا تترك مبالغ فائضة قد تعرضها لمستويات مخاطر غير مقبولة، بينما يتمثّل العامل الثالث في إدارة وضع تبادل وفق مؤشرات مجازة شرعا ومسموح بها نظاما لتعظيم الإيرادات، مبينا أن هذه العوامل تتحكم فيها سياسة البنك التي ترسمها الإدارة العليا والأنظمة الآلية المتاحة للبنك.

الأكثر قراءة